فضلت واقف في نص الصالة، ماسك جواب فاتن في إيدي، ومش عارف أتصرف إزاي، والولاد حواليا كل واحد فيهم بيسألني عن أمه، وأنا مش لاقي إجابة واحدة أقدر أقولها تطمنهم. رديت على غزل اللي كانت لسه بتتكلم في التليفون، وقلتلها بضيق: ـ اسمعيني يا غزل، أنا عندي مصيبة هنا ومش ناقص خالص، فاتن مشيت وسابت البيت. غزل سكتت لحظة، وبعدها قالت باستغراب: ـ مشيت راحت فين؟ وإزاي يعني مشيت؟ طب وأمي؟ سابت أمي لمين؟ ـ سابت أمك ليا يا غزل، وسابتلي الولاد كمان،وأنا مش عارف أعمل إيه، لا عارف أتصرف مع أمك ولا عارف أسيب الولاد لوحدهم. غزل اتنهدت وقالت: ـ طب ما تهدى كده، أكيد فاتن زعلانة من حاجة، حاول تكلمها وتفهم منها، وأنا هاجي عندك بكرة ونشوف الموضوع ده. أول ما سمعت إنها هتيجي، حسيت إن فيه حمل اتشال من على قلبي، وقلتلها بسرعة: ـ أيوه يا غزل، تعالي، أنا محتاجك جنبي فعلًا، ومحتاج حد يساعدني في البيت، أنا مش هقدر أعمل كل ده لوحدي. غزل فهمت كلامي بطريقتها، وافتكرت إني عايزها تيجي علشان فاتن مشيت، وإنها هتلاقي أمها في البيت، وإنها هتقدر تقعد معاها وتخليها تحت عينها، خصوصًا إنها كانت لسه تعبانة من الحمل ومحتاجة الراحة. قفلت معايا وهي بتفكر إنها أخيرًا هتبقى قريبة من أمها، وإن وجودها عندي هيحل مشاكل كتير. أما أنا، ففضلت طول الليل أحاول أتصرف. صحيت الولاد، وجهزتلهم أكل على قد ما قدرت، وبعدها دخلت أطمن على حماتي، وساعدتها تاخد دواها، لكن كنت مرتبك ومش عارف أعمل إيه بعدها. كل شوية واحد من الولاد يطلب مني حاجة، والتاني يسألني عن أمه، وأنا أعصابي كانت بتفلت مني. ـ يا بابا، أنا مش لاقي الكراسة بتاعتي! ـ يا بابا، هو ماما هترجع إمتى؟ ـ يا بابا، أنا جعان! وفي الآخر صرخت فيهم: ـ خلاص بقى! كل واحد يقعد مكانه، هو أنا هتجنن منكم؟! سكتوا كلهم، وبصوا لبعض، وبعدها ابني الكبير أخد أخوه ودخلوا أوضتهم من غير ما ينطقوا بكلمة. وقتها حسيت بوخزة في قلبي، لكن كنت تعبان ومش قادر أفكر في أي حاجة غير إني أعدي اليوم بأي طريقة. تاني يوم، غزل وصلت البيت، وأول ما دخلت سألتني: ـ أمي فين؟ عايزة أشوفها. شورتلها على الأوضة، فدخلت بسرعة، ولما شافت أمها جريت عليها وحضنتها، وفضلت تسألها عن صحتها وعن اللي حصل معاها. بعد شوية خرجت غزل من الأوضة، ووشها كان متغير من العياط، وقالتلي: ـ محمود، إنت إزاي سايب أمي هنا لوحدها؟ مين بيساعدها؟ ومين بيديها دواها؟ بصيتلها باستنكار وقلتلها: ـ إنتي بتسأليني أنا؟ ما إنتي جاية علشان تساعديني! غزل رفعت عينيها ليا وقالت: ـ أساعدك في إيه؟ أنا حامل وتعبانة، وإنت بنفسك اللي كنت بتقولي إنك هتتصرف وإن فاتن هتراعي أمي! ـ أيوه، بس فاتن مشيت، وأنا مش هقدر أعمل كل حاجة لوحدي، عندي ولاد محتاجين رعاية، وعندي أمك اللي مش بتقدر تتحرك، والبيت محتاج يتعمل فيه أكل وتنضيف، وإنتي أهو جيتي، يبقى لازم تساعديني. غزل فضلت باصة ليّ ثواني، كأنها بتحاول تستوعب الكلام اللي سمعته، وبعدها ضحكت ضحكة عصبية وقالت: ـ إنت جايبني هنا علشان أخدم أمك وأخدم ولادك؟! ـ أمك يا غزل، مش أمي! وبعدين دول ولادي، وأنا مش بقولك تخدميهم، أنا بقولك تساعديني لحد ما نشوف حل. غزل اتعصبت وقالت: ـ تساعدك إزاي يا محمود؟ أنا كنت فاكرة إني جاية علشان أطمن على أمي وأقعد جنبها، مش علشان أشيل مسؤولية بيتك كله! إنت عارف إني مش قادرة أقف على رجلي من التعب، وبدل ما تراعيني وتخفف عني، جاي تحطني مكان فاتن؟! حاولت أهدّيها وقلتلها: ـ يا غزل، أنا مش طالب منك حاجة مستحيلة، كل اللي عايزه إنك تساعديني شوية، لحد ما الدنيا تتظبط. ردت عليا بغضب: ـ والدنيا هتتظبط إزاي؟ لما أمك تتعب هتطلب مني أخدمها؟ ولما ولادك يحتاجوا حاجة هتقوللي أعملها؟ ولما البيت يتبهدل هتستنى مني أنضفه؟ طب وأنا يا محمود؟ أنا فين من كل ده؟! ـ يا بنتي ما تكبريش الموضوع، إنتي مراتي، والمفروض نقف جنب بعض في الشدة. غزل بصتلي بصدمة وقالت: ـ مراتي؟! أمال فاتن كانت إيه؟ مش مراتك برضه؟ ولما كانت بتشيل عنك كل حاجة، كنت بتقف جنبها إزاي؟ كنت بتصرف على ولادك؟ كنت بتسألهم محتاجين إيه؟ ولا كنت سايبها هي تشيل كل حاجة، ولما تعبت من الحمل اللي إنت حطيته فوق دماغها، قررت تمشي؟! اتنرفزت من كلامها وقلتلها: ـ إنتي مالك بفاتن دلوقتي؟ إحنا بنتكلم عن اللي بيحصل هنا! ـ لأ يا محمود، أنا مالي جدًا، لأنك جايبني هنا علشان أعمل نفس اللي كانت بتعمله، ولما رفضت، بقيت أنا المقصرة ـ يعني إيه رفضتِ؟ إنتي لسه داخلة البيت، وأنا حتى ما طلبتش منك تعملي حاجة! غزل أشارت ناحية المطبخ وقالت: ـ طب والأكل اللي على النار ده مين هيعمله؟ والهدوم اللي متكومة دي مين هيغسلها؟ وأمك اللي محتاجة حد يساعدها في كل حاجة مين هيقوم بيها؟ والعيال اللي محتاجين حد يتابعهم مين هيراعيهم؟ إنت مستنيني أعمل كل ده وأنا في شهور الحمل الأخيرة؟! كنت واقف قدامها ومش لاقي رد، لكنها ما سابتنيش أتكلم، وكملت وهي بتلم حاجتها: ـ أنا غلطانة إني صدقتك لما قلتلي إنك هتتصرف، وغلطانة إني افتكرت إنك هتكون سند ليا ولأمي، لكن واضح إنك مش عايز زوجة تشاركك حياتك، إنت عايز واحدة تشيل عنك مسؤولياتك، وأول ما ترفض، تحسسها إنها أنانية! قربت منها وقلتلها: ـ رايحة فين يا غزل؟ ـ هاخد أمي وأمشي. اتصدمت وقلتلها: ـ تمشي تروحي فين؟ إنتي لسه تعبانة، وأمك مش هتقدر تتحرك من غير رعاية! ـ هتصرف، زي ما إنت بتقوللي أتصرف دلوقتي. أمي مسؤوليتي، وأنا مش هسيبها، لكن مش هقدر أشيل مسؤولية بيتك وولادك فوق مسؤوليتي. ـ يعني هتسيبيني أنا كمان؟! بصتلي غزل بمرارة وقالت: ـ إنت اللي سبت نفسك يا محمود، من يوم ما قررت إن كل واحد في حياتك لازم يشيل عنك، وإنت واقف تتفرج! دخلت أوضة أمها، وساعدتها تجهز نفسها على قد ما قدرت، وبعدها طلبت عربية، وبمساعدة السواق قدرت تنقل أمها وتاخد حاجتها الضرورية. فضلت واقف عند الباب، بتابعها وهي خارجة، ومش مصدق إن كل حاجة بتنهار في يومين. ناديت عليها: ـ يا غزل، استني! طب استني نتكلم! لكنها ما بصتليش حتى، وخرجت وقفلت الباب وراها. وقتها حسيت إن البيت بقى أوسع من اللازم، وأهدى من اللازم، وأتقل من إني أقدر أعيش فيه. بصيت على أوضة الولاد، ولقيتهم واقفين عند الباب، بيتابعوا اللي حصل، وابني الكبير سألني: ـ هي غزل مشيت ليه يا بابا؟ ماكنتش عارف أقول إيه، فدخلت أوضتي وقفلت الباب، وفضلت قاعد على السرير، حاطط إيدي على راسي. كان نفسي أتصل بفاتن وأقولها ترجع، وأوعدها إني هتغير، لكن كنت عارف إنها المرة دي مش هتصدقني بسهولة. وكان نفسي أتصل بغزل وأرجعها، لكن هي كمان مشيت، ومش عارف حتى راحت فين. وفي وسط كل ده، سمعت صوت ابني الصغير بيعيط بره، وبيقول لأخوه: ـ أنا عايز ماما فاتن، أنا عايزها تيجي تنام جنبي زي كل يوم. حسيت إن قلبي بيتقطع، لكن ما خرجتش لهم. فضلت مكاني، أتجاهل رنات تليفوني، وأتجاهل رسائل غزل، وأتجاهل حتى عياط الولاد، مش علشان مش فارقين معايا، لكن علشان كنت عاجز أواجههم، وعاجز أعترف لنفسي إني وصلت للمرحلة دي بإيدي. عدى اليوم، وبعده يوم تاني، وأنا لا عارف أشد حالي وأروح أدور على فاتن، ولا عارف أروح لغزل وأطلب منها ترجع. كل واحدة فيهم كانت مستنية مني موقف، وأنا لأول مرة أكتشف إن السكوت مش هيحل حاجة، وإن الهروب اللي كنت فاكره أسهل حل، بقى هو السبب في كل اللي أنا فيه. وبالليل، لما دخلت أطمن على الولاد، لقيت ابني الكبير نايم جنب أخوه، وحاضنه، وعلى المخدة جنبهم صورة صغيرة فاتن. مسكت الصورة، وفضلت أبص فيها، وافتكرت كل مرة كانت بتطلب مني أقعد مع الولاد شوية، وكل مرة كنت أتحجج بالشغل أو بمصاريف غزل، وأقول لنفسي إنهم لسه صغيرين ومش هيفهموا. لكنهم فهموا يا محمود… فهموا إن أبوهم موجود في البيت بجسمه، لكن قلبه ومسؤوليته في مكان تاني. وساعتها بس، بدأت أفهم إن المشكلة ماكنتش في فاتن اللي مشيت، ولا في غزل اللي رفضت تفضل، ولا حتى في أم غزل اللي محتاجة رعاية. المشكلة كانت فيّ أنا، وفي إني كنت عايز أرضي الكل من غير ما أتحمل مسؤولية حد، لحد ما خسرت راحة البيت، وبدأت أخسر الناس اللي كنت فاكر إنهم عمرهم ما هيمشوا. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”