اتطلقت بسبب الغربة حكاوي شيمو ٢

بعدها بأيام، بدأت أرتب الأمور بهدوء. تواصلت مع محامي علشان أعرف حقوقي وواجباتي، وطلبت من الشركة توضيحًا رسميًا للمستندات والمبالغ محل الخلاف. واتفقنا إن أي مراجعة مالية تتم من خلال القنوات الرسمية، بعيدًا عن التهديدات والاتهامات.
وفي موضوع الولاد، ما استعجلتش قرار السفر. سألت عن مدارس مناسبة، ودرست تكلفة الإقامة والرعاية، وبدأت أشوف إمكانية إنهم يعيشوا معايا، بشرط ما يكونش انتقالهم على حساب استقرارهم أو دراستهم، ومع ترتيب علاقتهم بأبوهم بطريقة آمنة وقانونية.
أما أحمد، فبدأ يسمح لي أكلمهم من غير مشاكل، وبقى فيه اتفاق واضح على مواعيد المكالمات والزيارات.
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعد أسبوع.
كنت قاعدة مع يوسف براجع معاه شوية دروس، وفجأة قال لي: ـ ماما، أنا عايز أقولك حاجة، بس أوعي تزعلي مني.
قلتله: ـ قول يا حبيبي، إنت مهما عملت هتفضل ابني، وأنا هسمعك.
قال: ـ فاكرة لما بابا قال لنا إنك مش عايزة تكلمينا؟ أنا كنت عارف إنه بيكدب، بس ما كنتش قادر أعمل حاجة.
سألته: ـ ليه يا يوسف؟!
قال: ـ علشان في مرة سمعت بابا بيتكلم مع عمي، وكان بيقول له إن ماما لو عرفت إن فيه مشكلة في الورق، هترجع وتطالب بحقوقها، وإنه لازم يخليها تفتكر إن الولاد مش عايزينها، علشان ما تنزلش مصر وتدور ورا الموضوع.
حسيت إن الدموع اتجمعت في عيني.
قلتله: ـ وإنت كنت عارف من إمتى؟!
قال: ـ من شهور، بس كنت خايف. وبعدها لقيت الورقة اللي عليها اسمك، وصورتها قبل ما بابا ياخدها مني. أنا كنت محتفظ بالصورة في إيميلي، علشان لو احتجناها يومًا ما.
بصيت له وأنا مش مصدقة.
قلت: ـ معاك الصورة لحد دلوقتي؟!
هز راسه، وفتح الموبايل، ووراني صورة المستند.

كانت فيها تفاصيل إضافية ما ظهرتش في الظرف اللي أخدته من الست، ومن بينها رقم معاملة وتاريخ طلب المراجعة.
احتفظت بنسخة منها، وبعتها للمحامي علشان يراجعها مع المستندات الرسمية.
لكن اللي لمس قلبي فعلًا، إن ابني الصغير كان شايل هم مشكلة أكبر منه، وخايف يخسر أمه وأبوه في نفس الوقت.
حضنته وقلتله: ـ يا حبيبي، إنت مش مطلوب منك تحمينا ولا تحل مشاكلنا. دي مسؤوليتنا إحنا الكبار، وإنت كل اللي عليك تعيش سنك وتذاكر وتفرح وتلعب.
عيط في حضني وقال: ـ أنا كنت نفسي نرجع زي زمان، كلنا قاعدين مع بعض.
ما عرفتش أرد عليه.
لأن الحقيقة إننا مش هنرجع زي زمان، لكن ممكن نتعلم نعيش بشكل أحسن، حتى لو بقينا في بيتين مختلفين.
وبعد شهر، ظهرت نتيجة المراجعة الأولية من الشركة، واتضح إن فيه طلب اتقدم باستخدام بياناتي من غير ما تكون عندهم موافقة موثقة مني، وإن الموضوع محتاج استكمال إجراءات للتحقق من المسؤولية وتسوية المستحقات. واتحول الملف للمسار الرسمي، من غير ما أستعجل الحكم على أحمد قبل ما تظهر كل التفاصيل.
أما أنا، فكان قدامي قرار صعب: أسافر وأكمل شغلي، ولا أستقر في مصر فترة علشان أرتب حياة ولادي؟
وفي الآخر، اتفقت مع جهة عملي على مهلة قصيرة لترتيب الوضع، وبدأت أجهز خطة واضحة لمعيشتهم وتعليمهم، بدل ما أسيبهم مع ناني من غير متابعة حقيقية، أو أنقلهم فجأة من غير دراسة.
وأحمد؟ ما رجعناش لبعض، ولا وعدته إني هرجع. لكن قلت له إننا ممكن نكون أبو وأم مسؤولين، حتى لو انتهى الجواز بينا.
أما الست اللي اتصلت بيا، فطلعت واحدة كانت عارفة تفاصيل المعاملة بحكم شغلها، وشافت إن سكوتها ممكن يضر الولاد، فقررت تساعدني أوصل للمعلومة بالطريق الصحيح.
وفي آخر يوم من إجازتي، كنت قاعدة مع ولادي، وبنتي حاطة راسها على كتفي، ويوسف بيحكيلي عن المدرسة، وفجأة ليلى رفعت وشها وقالت:
ـ ماما، هو إنتِ لما سافرتي أول مرة، كنتِ بتعيطي زينا دلوقتي؟!
ابتسمت وسط دموعي وقلت: ـ أكتر منكم كمان يا حبيبتي.
قالت: ـ طب ليه ما رجعتيش لما وحشناك؟!

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *