أنا وأخت جوزي حكايات روماني مكرم ٣

ملك ابنتي أصبحت في مرحلة الشباب المبكر، تدرس بتفوق ونجاح ملحوظ، وتملأ البيت بهجة وحيوية. وكانت دائماً تنادي حازم بـ “بابا” بكل فخر، ولم تشعر يومًا بغياب الأب الحقيقي؛ لأن حازم كان نعم الأب والسند، ولم يفرق بينها وبين أطفالنا الصغار الذين رزقنا بهم لاحقاً، والذين ملأوا حياتنا دفئاً وحبًا.
التسامح الحقيقي وسلام الروح
في أحد أيام الربيع الدافئة، وأنا أتابع العمل في فرعنا الجديد بالمدينة، وصلني خبر وفاة “أم أحمد” بعد صراع طويل مع المرض والوحدة في غرفة صغيرة استأجرتها لها إحدى الجمعيات الخيرية بعد أن تخلعت أوصال بيتها القديم وتبددت عائلتها. أما ريهام، فكانت تعيش حياة منبوذة ومكسورة الجناح، وابنها يعاني من آثار الندبة القديمة ونظرات المجتمع القاسية التي لم ترحم أخطاء الأم.
عندما بلغني الخبر، جلست وحدي لبرهة، واستعرضت شريط الذكريات كله؛ من لحظات الولادة والكسر والدموع، وحتى لحظات التمكين والنجاح. لم أجد في قلبي ذرة واحدة من الحقد أو التشفي، بل شعرت بسلام عميق يغمر روحي. تذكرت قوله تعالى: “وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ”، وأدركت حق الإدراك أن كل محنة مرت بي لم تكن سوى إرادة إلهية عظيمة لترفعني إلى مكانة لم أكن لأبلغها لولا تلك العاصفة.
ختام الحكاية
في تلك المسائية الهادئة، كنت أجلس في شرفتنا الواسعة المطلة على حديقة منزلنا الجميل، وكان حازم يجلس بجواري، بينما كانت ملك وإخوتها يلعبون ويمرحون بضحكاتهم البريئة التي تملأ الكون سعادة.
مد حازم يده وأمسك بيدي بحنو، وقال مبتسماً:
ـ إيه يا هنادي، سرحانة في إيه بكل التفكير ده؟
نظرت إلى وجهه الطيب، ثم إلى أطفالي، وابتسمت من أعماق قلبي، وقلت بصوت هادئ يملؤه اليقين:
ـ سرحانة في نعمة ربنا.. وفي كيف أن الظلم مهما طال ليله، فإن فجر العدل والجزاء آت لا محالة. أنا بدأت قصتي كامرأة مكسورة، وأنتهي اليوم كامرأة وُلدت من جديد من رحم المعاناة لتملك الدنيا بأكملها بالرضا والنجاح.
وضع حازم يده على كتفي بحنان، وقال:
ـ وأنا محظوظ جداً أنني كنت جزءاً من هذه القصة، وأنني عشت لأرى ملكة تتربع على عرش قلب وعقل هذه العائلة.
عشنا أيامنا في هناء وسعادة، وبقيت قصتي عبرة لكل امرأة تظن أن الحياة انتهت عند أول عثرة؛ فالبنات رزق، والكرامة تاج، والصبر مفتاح الفرج، ومن كان الله معه، فمن عليه؟




