أنا وأخت جوزي حكايات روماني مكرم ٣

عشنا أنا وحازم وملكة حياتنا ملك في بيت واسع ومستقل، حيث استمررت في إدارة ورشتي وتطوير أعمالي، بينما كان حازم الداعم الأول لي في كل خطوة. وعرفت أن الحياة الحقيقية لا تبدأ بالبدايات السهلة، بل بالقلوب القوية التي تقرر أن تولد من جديد من رحم المعاناة.
الفصل السادس: أوراق الخريف وسقوط الأقنعة الأخيرة
مرت ثلاث سنوات كاملة على زواجي المبارك من حازم. خلال هذه السنوات الثلاث، كانت حياتي معه أشبه بواحة هادئة وجميلة بعد عاصفة طويلة من الألم والظلم. حازم لم يكن مجرد زوج، بل كان السند الحقيقي والأب الحنون لملك، التي أصبحت تناديه بـ “بابا” بكل حب وعفوية، حتى إنها كانت تكاد تنسى ملامح أبيها الحقيقي وسط هذا الحنان الجارف والرعاية الصادقة.
مشروعي “ورشة هنادي للتصميم” تطور وتحول إلى مصنع صغير يضم عشرات العاملات والعاملين، وأصبح اسمي يتردد باحترام في عالم الموضة والأزياء بالمحافظة. كنت أقف كل يوم في مكتبي المستقل، أنظر إلى صوري القديمة وأتذكر تلك الفتاة التي كانت تبكي بصمت في زاوية المطبخ، فأبتسم بامتنان وعزة نفس لكل قطرة دموع جعلتني المرأة القوية التي أنا عليها اليوم.
لقاء في مهب الريح
، وبرفقتي ملك التي أصبحت في الخامسة من عمرها وتتمتع بذكاء وجمال يخطف الأنظار. وبينما كنا نتفقد بعض المعروضات، سمعت صوتاً ضعيفاً وواهياً ينادي من خلف الرفوف:
ـ هنادي.. يا بنتي هنادي!
التفتّ بسرعة، وكانت الصدمة الثانية التي لم تكن في الحسبان. لم تكن هذه المرة أم أحمد وحدها، بل كانت تقف بجوارها ريهام. لكن هيئتهما كانت تثير الشفقة والأسى؛ أم أحمد أصبحت عاجزة تكاد تستند إلى عكاز خشبي، وملابسها بالية وعيونها غائرة من كثرة البكاء والقهر، أما ريهام فكانت تبدو كامرأة في الخمسين وهي لم تتجاوز الثلاثين بعد، وقد أكل الهم والندم قلبها ووجهها.
وقفتُ مكاني بثبات وهدوء، ولم أنطق بحرف، بينما جلست ملك خلف فستاني بخوف طفيف، فسحبتها بحنان إلى جانبي وأنا أنظر إليهما نظرة خالية تماماً من الشماتة أو الغضب، نظرة إنسان يرى عاقبة الظلم رأي العين.
تقدمت أم أحمد بخطوات متعثرة، وانهارت على ركبتيها أمام قدمي، وأجهشت ببكاء حارق وقالت بصوت متهدج:
ـ سامحيني يا بنتي.. بالله عليكِ سامحيني! إحنا دُقنا مرارة اللي عملناه فيكي أضعافاً مضاعفة! أحمد طلقني وسافر ومبيسألش عني، وريهام ابنها ضاع منها بحكم المحكمة ومبقاش حد يطيق يبص في وشها، والبيت الكبير اتباع في الديون.. بقينا في الشارع يا هنادي، بندفع ثمن قسوتنا وجبروتنا!





