عشق الغرام

سلمت جفنيها إلى النوم في محاولة للهرب من واقعها الأليم وقد غاضت مدامعها.

مرت بعد ذلك الساعات في صمتٍ تام، حتى أوصلها إلى باب البيت وكان قد حل الليل وألقى على الأرض بسدوله، طرق يمان على الباب فتناهى إليه فورًا صوت عبد السلام وخيل إليه أنه كان في انتظارهما، فتح الباب وأطل عبد السلام واجمًا، واندفعت غرام إلى حضنه، ولم تقوى على تحمل عبراتها فانسابت كمطرٍ منهمرٍ، لكنه لم يبادلها الحضن، ولم يرفع ذراعيه ليطوق جسدها الضئيل، وتصور يمان أن عبد السلام سينهال عليها ضربًا بسبب نظرته السوداوية، فشعر بأشفاق من صوت نشيج غرام الذي ذاد من شعوره بالذنب، وهم بأن يقول شيئًا أي شيء؛ قد يبرد نار قلبها لكنه لم يقل فلم يجد ما يقوله.

ولم يدرك كم من الوقت وهم يقفون بتلك الطريقة الغريبة، حتى رفع عبد السلام بصره إليه في حدة وكرهٍ غير معلوم، ثم أبعد غرام وقال وهو ينظر في أعين يمان بصرامة:

_ادخلي جوه!

فأنصاعت ومضت إلى الداخل لكنها عادت مجددًا، كي تشكر يمان وتطلب منه الدخول لكن والدها سد عليها الطريق وأحال بينها وبين ذلك، فاضطرت إلى الدخول دون نظرة وداعٍ أخيرة إلى طيف الأمان الذي ضمها في أحلك أوقاتها.

حاول يمان أن يتبسم أو يقول شيئًا، لكن عبد السلام قال:

_صحيح أن مش كل الوجوه بتبين اللي في القلوب، وأنت من الناس اللي وجوهم بتبين أنهم ذو مرؤوة وكرم وشهامة لكن قلبك قلب أسود.

ضيق يمان عينيه مستريبًا ولم يفهم شيئًا وهم أن يستفسر، لكن عبد السلام دفعه للوراء على غفلة، وصفق باب بيته ورائه وانقض عليه وراح يضربه في جنون، وهو يهدر:

_أمنتك على بنتي تعمل فيها كدا ليه؟ ربنا يرد اللي بتعمله في بنات الناس في أختك.

كان يمان يستقبل ضرب عبد السلام دون أن يوقفه أو تند عنه نظرة دفاعٌ حتى، احترامًا له ولسنه، لكن عندما جاء بذكر أخته حتى أتقدت عيناه بالغضب، وقبض على ساعديّ عبد السلام وهو يهتف في تعصب:

_إلا أختي، وبعدين إيه اللي انا عملته في بنتك؟ دا بدل ما تشكرني أني رجعتهلك بعدما قضى عليها الكلب زكريا؟! أنت اتجننت ولا مالك؟ هو زكريا اتصل بيك!

فأفلت عبد السلام ذراعيه وأرتد للخلف وهو يصيح:

_أيوة أتصل بيَّ.. أتصل عشان يقول ليّ على علاقتك ببنتي؟!؟

فتبسم يمان في سخرية، وقال في تهكم:

_علاقة أيه؟ علاقتي انا ببنتك وأنت طبعًا صدقت من غير ما تدور على الحقيقة فين ولا تسال بنتك.

وتلاشت بسمته المتهكمة، وقال في جدية:

_لو أنت شايف أن الحب حرام ولا حاجه، فأعرف أني بحب بنتك.

فرفع عبد السلام ذراعه بنية لطمه وهو يجأر:

_اخرس يا كلب.. بتحب بنت متجوزة؟!

لكن يمان قبض على ذراعه وبأعين تشتعل قال:

_بنتك متستهلش شخص زي زكريا؟! ذنبها ليوم الدين في رقبتك ورقبتي.

كان لا يزل يقبض على ذراعه وهو يقول بعتاب:

_ذنبك أنك وافقت على عريس لبنتك بدون ما تسأل عنه ولا تعرف عنه اي شيء لمجرد أنه ابن صديقك بس.

وأطرق في أسى، وقال بشجن:

_وذنبي عشان سبتها توافق بدون ما اعرفها حقيقته؟!

ثم ترك ذراعه وتراجع للوراء وهو يقول بوجد:

_حق غرام لازم يرجع وأنت لازم تطلقها من زكريا!

فتبسم عبد السلام في تهكم، وغمغم وهو يصفق بكفيه:

_تصدق كنت هصدق أنك شخص كويس والناس كلها هي اللي وحشة، امشي من هنا ومتخلنيش اشوف وشك تاني لأن ده مش غلطك وحدك دا غلط بنتي أنا ولازم تدفع تمنه قبل ما توطي راسي في الأرض!

استراب يمان وأحس بالقلق ينهش قلبه مخافة أن يفعل عبد السلام شيئًا في غرام وقد بدا أنه معمي البصر والبصيرة وأن زكريا أكل بعقله حتى شبع، فتمتم:

_أياك تعمل حاجه تندم عليها.

ومضى في سبيله مغادرًا، غافلًا عن نهلة التي شهقت في ارتياع وقد سمعت جُل حديثهما ورأت ما رأت من شجارهما وكان عليها إنقاذ غرام من براثن غضب أبيها.

مضى يمان يسيرُ وسط السائرين هائمًا يجوب الطرقات والأزقة على غير هدى دون أن يهتدي إلى سبيلٍ يؤويه، لساعاتٍ وضميره يعذب فيه، وعقله لا يفكر إلا في غرام، حتى ألمته قدماه وهده التعب وأضنى فؤاده، فتوقف يتلفت ذات اليمين وذات الشمال وقد جنح إلى الراحة قليلًا، فرأى أنه على كثبٍ من كورنيش نيل (أسيوط) الساحر، بمياهه الزرقاء الهادئة، والسفن التي تبحر بمظهر يخلب الألباب، فمال بجذعه إلى الأمام وقد قبض بأصابعه على حافة السور وشردت عيناه على صفحة الماء الراكد، ضجيج الناس المارة من وراءه لم يكن له صدى في أذنيه كأنه في وادٍ آخر وهم في آخر.

ثم لم يلبث أن تراجع ليجلس وقد أولى ظهره البحر وجعل عيناه تراقبان السيارات.

**********

في همٍ جلس عبد السلام واضعًا رأسه بين راحتيه في وجعٍ وقد شعر أنه قد طُعن، ليس لديه أدنى شك فيما قاله له زكريا عن ابنته، فغرام قد فعلت ما يجعله يصدق فيها أي شيء!

ألم تحادث قبلًا شابًا من وراءه؟ ألم يسمعها بنفسه؟!

هل ستجلب له العار بعد كل هذا العمر؟!

هل ستدفن رأسه في الوحل وهو على أعتاب القبر؟!

لن يسمح لها بذلك؟! لن يقبل؟! سيدعس فؤاده تحت قدميه وسيتخلص من عارها.

نهض وهو يتوجه صوب المطبخ لولا أن تنبه لصوت الباب فأنثنى شطره ليجد نهلة وهي تهتف في توتر:

_عمي عبد السلام انا عرفت ان غرام جت عايزة اشوفها!

اومأ عبد السلام برأسه وأشار لها بالدخول دون أن ينبس ببنت شفة، أو يسألها كيف علمت بمجيئها!

ركضت نهلة للداخل وصعدت الدرج عدوًا إلى حجرة غرام، التي كانت مستلقية  على ساق جدتها بأعين لم يرقأ لها دمع، فأتجهت بأعين تفيضُ بالعبرات وجلست بجانبها في صمت، بينما كانت غرام تقول بصوتٍ شجيّ:

_هعمل ايه يا ستي دلوقتي؟

فضيقت جدتها عينيها في دهشة، وغمغمت:

_أنتِ مين يا بت؟

فضحكت غرام من بين دموعها وهي تتمتم:

_يا ستي انا غرام بنت ابنك عبد السلام!

فزوت الجدة ما بين عينيها وهي تقول في تعجب:

_هو عبد السلام أتجوز أمتى وخلف كمان؟ هو الواد ده كان متجوز من ورايا.

فابتعدت غرام عنها، وهي تقول:

_والله يا ستي أحسن حاجه انك بتنسي يارتني أنسى.

غمغمت نهلة تسألها:

_أنا سمعت حاجات كتير ما بين والدك ويمان وهما بيتخانقوا.

فاستوت غرام في صدمة في جلستها، وهمست بضيق:

_هو بابا ويمان كانوا بيتخانقوا؟

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *