عزومة عائلية سما سامح

في عزومة عائلية، أبويا سألني بكل برود إذا كان المصروف الشهري اللي بيبعتلي 5000 جنيه مكفّيني… بصيتله وقلت: «مصروف إيه؟» وشوفت وش أمي اصفر قدامي.

في الليلة دي، سؤال واحد من أبويا قلب السفرة كلها لمشهد كأننا في تحقيق.

كان ماسك الشوكة بهدوء، وباصصلي كأن الموضوع عادي جدًا، وقال: «يا سلمى، الخمسة آلاف جنيه اللي ببعتهم لك كل شهر مكفينك؟ ولا أزوّدهم؟»

في الأول ضحكت.

ضحكة غبية كده من كتر الصدمة.

وبعدين استوعبت إنه بيتكلم بجد.

بصيتله وقلت: «مصروف إيه؟»

السفرة كلها سكتت.

وش أبويا اتغير فجأة. أختي الكبيرة ياسمين ثبتت مكانها وكوباية العصير واقفة في نص الطريق لبقها. وأمي… أمي اللي طول عمرها بتحاول تبين إن بيتنا مثالي وهادي ومافيهوش أي مشاكل، فجأة معرفتش حتى تبصلي في عيني.

في اللحظة دي… كل حاجة اتكشفت.

بقالى سنة ونص بطحن نفسي شغل. شغلانتين، نوم متقطع، أكل أي كلام، ومشاوير من آخر القاهرة لأولها، بس عشان أعرف أدفع الإيجار والفواتير وأعيش بالعافية.

قبل العزومة بثلاث أيام، وقعت فعلًا في مخزن الكافيه اللي بشتغل فيه وسط القاهرة. جسمي كان خلص. إرهاق، جفاف، وأنيميا بعد اتناشر يوم شغل ورا بعض، ونوم مايكملش ساعتين أوقات.

أبويا عرف عشان المدير اتصل برقم الطوارئ اللي كنت كاتباه في ملف الشغل.

ومن ساعتها، قرر يعمل عزومة عائلية يوم الجمعة. وماقبلش أي اعتذار.

أمي حضرت بابتسامتها المعتادة اللامعة، نفس الابتسامة اللي بتلبسها قدام الناس عشان الكل يفتكر إننا عيلة مرتبة ومفيش بينا مشاكل. وأختي ياسمين كانت لسه راجعة من دبي، لابسة بالطو جديد، وجزمة ماركة غالية، وشنطة سفر أنا عمري ما شفت زيها غير في الفاترينات.

وأنا قاعدة وسطهم، أثر سوار المستشفى لسه على إيدي، وإيدي بتترعش وأنا بحاول أمسك الشوكة من غير ما حد يلاحظ إني منهارة.

طول العشا، أمي ما بطلتش كلام عن حياة ياسمين في دبي. حفلات. ناس مهمة. عزايم. ومستقبل باهر.

وبعدين بصتلي بكل بساطة وقالت: «الكافيه نزلك جدول الشغل الأسبوع الجاي؟»

كأن وقوعي في المستشفى كان دور برد عادي. كأن جسمي ماكانش بيصرخ خلاص.

هنا أبويا حط الشوكة على الطبق، والصوت كان هادي… بس خلّى الكل يسكت.

بصلي مباشرة وقال: «يا سلمى، المصروف اللي ببعتلك يغطّي مصاريفك؟ ولا أزوّده؟»

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *