طلاق يوم الصباحية انجي الخطيب 4

نظر وكيل النيابة إليّ وسألني بحسم: “ما قولك يا مدام نيرمين في هذا الكلام؟”
تقدمت بخطوات ثابتة، ودموع القهر قد جفت وحل محلها ثبات لم أعهده في نفسي من قبل، وقلت: “يا فندم، كل هذا كذب وافتراء. أنا طُلقت ثلاثاً في شقتي بعد أن تعرضت للضرب والسرقة والمنع من الطعام والشراب، وهم الآن يحاولون مساومتي على كرامتي وجهازي.”
هنا تنحنح محامينا وقدم هاتفه لوكيل النيابة وقال بثقة: “معالي المستشار، نطلب تفريغ هذا التسجيل الصوتي الذي يثبت يقيناً وقوع الطلاق الشفهي بلفظ صريح، ويشهد فيه المتهمون بأنفسهم على واقعة الاستيلاء على محتويات الشقة والتبديد.”
تغيرت ملامح محمود في لحظة، واهتزت ثقة محاميه. عندما ضغط وكيل النيابة على زر التشغيل، ملأ صوت محمود أرجاء الغرفة وهو يصرخ بهستيرية: “أنتِ طالق.. طالق.. طالق!”، تلاه صوت أمه وهي تتفاخر بأخذ الأواني والحلل.
ساد صمت رهيب في الغرفة، ونظر وكيل النيابة إلى محمود الذي اصفر وجهه وبدأ يتصبب عرقاً ويسقط جسده من الخوف. وجه وكيل النيابة كلامه لمحمود بصرامة: “أنت أنكرت الطلاق وادعيت سرقة الزوجة للذهب، والتسجيل يثبت كذبك وتزويرك للحقائق، بالإضافة إلى جنحة التبديد المشهودة.”
أصدر وكيل النيابة قراره فوراً بحبس محمود أربعة أيام على ذمة التحقيق بتهمة تبديد منقولات زوجية والبلاغ الكاذب، مع إحالة التسجيل للبحث الجنائي لتفريغه رسمياً.
خرجنا من دار القضاء، وأنا أرى حماي يندب حظه ويلطم على وجهه بعد حبس ابنه وفضيحتهم التي أصبحت على كل لسان. لكن الفرحة لم تكتمل بعد، فعندما عدنا إلى قريتنا، وجدنا جارتنا الطيبة تنتظرنا أمام البيت ووجهها شاحب كالموت، وقالت لأبي بصوت مرتعش: “الحق يا حاج أحمد.. أم محمود وبناتها اتجننوا تماماً بعد ما عرفوا بحبس محمود، ولموا رجالة صايعة من برة البلد، وماسكين سلا..ح ورايحين على مخزن العفش بتاعكم عشان يحرقوه كله بالنار ويضيعوا حقكم للأبد…”
تسمرت الدماء في عروقي وأنا أستمع لكلمات جارتنا، ولم تمضِ ثانية واحدة حتى تحول بيتنا إلى خليه نحل يملأها الغضب الأعمى. لم يكن مخزن العفش مجرد مكان لحفظ الأخشاب والأجهزة، بل كان يحوي شقا عمر أبي، وكرامتي التي حاولوا سحقها، والآن يريدون حرقها بالنار للتخلص من حرز القضية والانتقام لحبس ابنهم.


