رجعت من شغلي رشا خالد 1

الضابط التفت نحو حكمت التي قفزت من الأرض بمهارة غير متوقعة وهي تصيح:

— “كداب يا بييه! ده ولد عاق وبيسمع كلام مراته! الست دي عليها جني وبتتشنج، والشيخة قالت لازم تقعد في مكان مقفول لحد ما القران يطرد اللي عليها! أنا بحمي ابني وبحمي بيتي!”

لم ينتظر الضابط كثيراً، ورأى الفستان الأخضر المنحشر تحت الباب والدموع التي تملأ عيني أحمد، فأومأ لأحد الأمناء:

— “اكسر القفل ده فوراً!”

باهر تقدم خطوة وهو يبتلع ريقه بصعوبة وسأله الضابط عن المفتاح، فرد بتلعثم:

— “المفتاح.. المفتاح ضاع يا فندم والله ما نعرف طريقه..”

خلال لحظات، ضرب أمين الشرطة القفل بآلة حادة عدة مرات حتى تحطم وصدر صوت انكسار معدني مدوٍ. دفع أحمد الباب الخشبي الثقيل بقوة، ليفوح من الداخل خليط كريه من رطوبة الأسمنت والرائحة العفنة.

كان المخزن مائلاً للظلمة، لا يضيئه سوى كشافات أمناء الشرطة وأضواء سيارة النجدة في الخارج.

في أقصى الزاوية، كانت سارة ممددة على الأرض، وجهها أصفر كالورق، وشفتان جافتان ومتشققتان من العطش. فستانها الأخضر الملتف حول جسدها النحيل كان ملوثاً بالتراب وشبه متمزق. ركض أحمد ونزل على ركبتيه وهو يرفع رأسها على يديه:

— “سارة! سارة رد عليا يا حبيبتي.. أنا أحمد! أنا جيت خلاص!”

فتحت سارة عينيها بصعوبة بالغة، وكانت أنفاسها متقطعة للغاية، وحركت شفتيها ببطء شديد دون أن يصدر منها صوت في البداية. مسك أحمد يدها المرتعشة والباردة كالثلج، وفي تلك اللحظة بالذات، لاحظ الضابط شيئاً غريباً في أرضية المخزن.

المخزن لم يكن مجرد كركور ممتلئ بالكراتين القديمة وأدوات الجنينة؛ بل كان هناك جزء في أقصى اليسار، أسفل شيكارات الإسمنت الفارغة، تم حفر الأرضية فيه بشكل حديث. البلاط المخلوع كان مكدساً على جانب، وهناك طبقة جديدة من الإسمنت المبلل التي لم تجف تماماً، يخرج منها سلك كهربائي سميك متصل بمولد قديم.

سارة، بصوت أشبه بالهمس الشديد المتقطع، رفعت يدها النحيلة وأشارت بأصابعها المرتعشة نحو الأرضية المكسورة، ثم إلى باهر وحكمت اللذين كانا يقفان عند الباب.

قالت سارة وهي تصارع للبقاء واعية:

— “أحمد… هما… هما مكنوش حابسيني علشان الصينية… هما… هما كانوا بيدفنوا…”

قاطعها باهر بصوت مرتفع ومرتبك جداً:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *