حماتي كانت بتعمل حركة غريبة حكايات بسمة 2

«إنتِ اللي هونتِ عليا ابنك يا ماما لما خليتيني مغفل في نظرك ونظر الناس، وهانت عليكي كرامة مراتي اللي هي شرفي وعرضي. أنا مش هقطع رحمي بيكي، هاجي أطمن عليكي وأشوف طلباتك الأساسية اللي ترضي ربنا، لكن تتدخلي في حياتي وتتحكمي في لقمة عيشنا وتخربي بيتي… ده مش هيحصل تاني أبداً.»
عم إبراهيم اتنهد تنهيدة طويلة، وقام وقف، وبص لحماتي وفاتن وقال:
«يا حاجة، احمدي ربنا إن ابنك راجل وأصيل وما اتخلاش عنكم بالكامل رغم اللي عملتوه. اللي يعض الإيد اللي اتمدتله بالخير ملوش حق يشتكي لما الإيد دي تتقبض. قومي يا حاجة انزلي شقتك، واستغفري ربنا على اللي عملتيه في مرات ابنك، دي بنت ناس ودخلت بيتكم بالأصول، وكان جزاؤها منكم الأذية والمكر.»
حماتي وفاتن نزلوا من الشقة في صمت تام، مكسورين ومصدومين من النتيجة اللي وصلولها. كانت كل خطوة ليهم على السلم تقيلة، كأنهم شايلين جبال من الخيبة والندم.
عم إبراهيم طبطب على كتف أحمد وقال:
«عين العقل اللي عملته يا بني. البر مش معناه إنك تظلم نفسك ومراتك، والعدل أساس الملك. حافظ على بيتك وعلى مراتك، وبنت الأصول اللي تصبر وتستحمل تتشال فوق الراس.»
شكرنا عم إبراهيم، ونزل وقفلنا الباب ورانا.
أول ما الباب اتقفل، حسيت بهدوء غريب بيسود المكان، كأن البيت اتغسل من طاقة سلبية وخنقة كانت خانقانا شهور طويلة.
أحمد قعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه، كان باين عليه التعب والإنهاك النفسي بعد المواجهة الطويلة دي. قربت منه، وقعدت جنبه وحطيت إيدي على كتفه براحة وقلت:
«أحمد… إنت كويس؟»
رفع راسه وبصلي، كانت عينيه مليانة حزن بس في نفس الوقت فيها راحة كبيرة، مسك إيدي وباسها وقال:
«أنا دلوقتي بس بقيت كويس يا بسمة. حسيت بحمل تقيل كان على صدري وانزاح. كنت حاسس إن في حاجة غلط دايماً بس كنت بكدب نفسي وأقول دي أمي ومش ممكن تأذيني، بس الحقيقة كانت واضحة وأنا اللي مكنتش عايز أشوفها.»
ابتسمت له بابتسامة دافية وقلت:
«المهم إن الحق بان، وإن إحنا مع بعض على الحلوة والمرة. أنا عمري ما طلبت منك تقاطع أهلك ولا تبخل عليهم، بس الكرامة هي اللي مكنتش أقدر أفرط فيها.»
أحمد رد عليا بامتنان وقال:
«حقك جالك يا بسمة، وكرامتك من كرامتي. من النهاردة بيتنا ده هيبقى ليه خصوصيته وحرمته ومحدش هيقدر يكسر بخاطرك فيه تاني أبداً.»
مرت الأيام والشهور بعد الموقف ده، وكل حاجة اتغيرت تماماً في البيت.
أحمد التزم بكلامه بالحرف؛ كان بيبعت لأمه طلباتها الضرورية ويزورها يطمن عليها بما يرضي الله، لكن من غير ما يسمح بأي تدخل في تفاصيل بيتنا أو أكلنا أو مصاريفنا. وفاتن اضطرت تنزل تدور على شغل عشان تكفي مصاريف ولادها، وبدأت تحس بقيمة القرش والتعب اللي أحمد كان شايله عنهم لسنين طويلة من غير كلمة شكر واحدة.
أما حماتي، فمع الوقت، كبريائها وعنادها بدأوا ينكسروا لما لقت إن الصوت العالي والفتنة ما جابوش غير الخسارة والوحدة، وعرفت إن بنت الأصول اللي كانت بتعاملها بقسوة وجفاء كانت هي اللي شايلاها في تعبها ومحافظة على بيتها.
وأنا اتعلمت درس عمري ما هنساه: إن الطيبة والسكوت الزايد عن اللزوم مش دايماً فضيلة، وإن الصبر على الظلم بيخلّي الظالم يتمادى في ظلمه، وإن الحق لما يتقال بالعدل والأصول بيحمي البيوت من الخراب وبيحفظ كرامة كل إنسان.
عشنا أنا وأحمد في هدوء واستقرار، وبقينا ناكل لقمتنا البسيطة في بيتنا براحة بال ورضا، وعرفنا إن راحة البال والكرامة أغلى من كل كنوز الدنيا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *