في فرح أخويا حكايات زهرة الربيع 1

“أنا ما بطلبش.. أنا أديت أمر. قدامك دقيقة، يا تطلعي معايا ونحفظ اللي باقي من كرامتنا، يا تقعُدي وتنسي إن كان ليكي زوج اسمي هاشم.”

التفتُّ لأبي، انهمرت دموعي وأنا أترجاه:

“يا بابا عشان خاطري.. هو مش في وعيه، ما تحلفش أنت كمان وتكتفني! دي حياتي وبيتي!”

لكن أبي، بجمود ابن الصعيد وكبرياء الأب الذي يُهان في عقر داره أمام الحضور، رد بصوت كالحجر:

ساد صمت أشد هولاً. القاعة كلها كانت .

ابني سليم بدأ يصرخ بين يد هاشم: “ماما! تعالي يا ماما!”.. كان الصوت أحشائي.

نظرت إلى هاشم، ثم إلى أبي، ثم إلى أخوي الذي كان ينظر إليّ بعينين مليئتين بالرجاء والذنب في آن واحد. استجمعت كل ما تبقى فيّ من قوة، وأخذت أركض نحو الباب.. ليس مع هاشم، ولا للبقاء مع أبي، بل أخذت على يد زوجي وأمسكت بها ناتفة:

“عشان خاطر سليم يا هاشم! ما تعملش فينا كده!”

لكن هاشم نفض يده من يدي ببرود قاتل، وسحب سليم خلفه، وخطا الخطوة الأولى خارج بوابة القاعة، وهو يلتفت إليّ بنظرة أخيرة قائلًا:

“الفرصة خلصت يا سارة.. أنتِ اخترتِ.”

تسمرت مقلتاي، وارتفعت شهقات الحضور. كنت أرى زوجي يبتعد بابني في ظلام الشارع خارج القاعة، وفي نفس اللحظة، سمعت صوت أبي يصرخ في القاعة بلهجة حاسمة:

“شغلوا دي جي! الفرح يكمل! محدش ينكد علينا!”

التفتُّ لأبي بأقدام ترتجف، وحاولت أن أقترب منه وأنا أبكي بحرقة: “يا بابا.. سليم مشي.. هاشم خد ابني وتطليقي رن في القاعة!”

لكن أبي أدار ظهره لي تماماً، وبصوت خالي من أي رحمة قال لأمي دون أن ينظر إليّ:

“خذي هانم وادخليها الأوضة جوة.. محدش يشوف وشها طول ما الفرح شغال، ومن بكرة ما تصرفش عليها مليم، دي اختارت تسيب راجل يهددنا في بيتنا.”

وجدت نفسي مدفوعة إلى غرفة العروس الخلفية، أسمع صدى أغانٍ صاخبة وزغاريد متكلفة تُقام في القاعة للتغطية على الفضيحة، بينما أنا قابعة في الزاوية، بثوبي الفاخر الذي تحول إلى كفن لزواجي.

ساعات المتبقية من الليل مرت كأنها دهور. انتهى الفرح، وغادر المعازيم، وبقت القاعة فارغة إلا من أضواء بسيطة. خرجت من الغرفة بخطوات ميتة، لأجد أبي وأخي يقفان عند المدخل.

أخي اقترب مني وعيونه ملطخة بالدموع: “أنا آسف يا سارة.. أنا السبب، مراتي غلطت وأنا كبرت .”

لكن أبي زجره بقسوة وقال له: “سيبها يا محمد! هي مش صغيرة، هي سكتت وما خدتش موقف يشرّف.” ثم وجه كلامه لي مباشرة بصوت كالجمر:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *