في فرح أخويا حكايات زهرة الربيع 1

“بيتك اللي كنتِ عايشة فيه اتأفل خلاص، وأنا مش هسيبك على ذمة راجل طلقك بالثلاثة. من بكرة هرفع ليكي قضية طلاق ورؤية للولد.. بس طول ما أنتِ في بيتي، كلمتي هي اللي تمشي، ومفيش اتصالات ولا ترجي للراجل ده ثاني!”

جلست على الأرض في منتصف القاعة الخاوية، بين بقايا الفشار والورق الملون الملقى على الأرض، وأنا أخرج هاتفي ببدن يرتجف. فتحت الهاتف لأجد رسالة نصية وصلتني منذ دقائق معدودة من رقم هاشم.

فتحت الرسالة بحدقتين متسعتين، وكانت الحروف تقطر سماً:

“هدومك وهدوم ابنك هتكون عندك بكرة.. سليم هيعيش معايا ومع أمي، وأنتِ من اللحظة دي محرمة عليا كظهر أمي.. ومستني أبيكِ يفرّجنا هيعمل إيه!”

لم أستطع الصراخ، سقط الهاتف من يدي، وشعرت برأسي يدور، والقاعة تبدأ بالدوران من حولي، حتى أظلمت الدنيا تماماً وسقطت مغشياً عليّ فوق الأرض الباردة…

استفقْتُ على رائحة نشادر نفاذة تلسع أنفي، وأصوات همهمات مكتومة تدور فوق رأسي. فتحت عينيّ ببطء لأجد نفسي ممددة على أريكة جلدية في الغرفة الخلفية للقاعة، وأمي تجلس عند رأسي تبكي بصوت صامت، وتمسح وجهي بقطعة قماش مبللة بالماء البارد.

“سليم… ابني فين؟” كانت هذه أول كلمة نطق بها لساني، بصوت مبحوح .

أمي لم تجب، اكتفت بضم رأسي إلى صدرها وهي تنتحب: “يا حببتي يا سارة… حسبي الله ونعم الوكيل في اللي كان السبب، حسبي الله ونعم الوكيل.”

دخل أبي الغرفة بخطوات ثقيلة، كان وجهه متعباً وشاحباً، لكن نظرة العناد والقسوة لم تفارق عينيه. نظر إليّ وقال بنبرة صارمة لا تقبل النقاش: “قومي يا سارة، العربية مستنية برة. الفرح خلص، وكل واحد راح لحاله.”

سألته بأمل ضعيف وشفتين ترتجفان: “يا بابا… هاشم بعتلي رسالة، قال إنه هياخد سليم مني.. عشان خاطرك كلم هاشم، خليه يرجعلي ابني، أنا مش مهم أي حاجة ثانية، بس سليم صغير وميقدرش يبعد عني!”

انقبض وجه أبي وزأر بغضب هدر في الغرفة: “نسيتي إنه طلقك بالثلاثة قدام أمة لا إله إلا الله؟! نسيتي إنه مسح بكرامتي وكرامتك الأرض؟! ابنك هيرجعلك بالقانون، والصبح بدري هكون عند أكبر محامي في البلد. لكن ترجي واستعطاف للراجل ده… على جثتي!”

وصلنا بيت أبي في ساعات الفجر الأولى. الشارع كان هادئاً، والشقة التي كانت منذ ساعات تعج بالضحكات والزغاريد أصبحت الآن أشبه بمقبرة باردة. دخلت غرفتي القديمة، الغرفة التي تركتها منذ أربع سنوات لأنتقل إلى بيت زوجي. كل شيء فيها كان كما هو، لكنني لم أعد أنا نفس الشخص.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *