جوزي كان بيجهز حكايات زهرة الربيع 1

محمود رفع رأسه وبص لي بعيون حمرا ومليانة حسرة: “يعني مفيش أمل يا هبة؟ مفيش فرصة ثانية أصلح بيها اللي عملته؟”

رديت عليه بابتسامة هادية جداً، ابتسامة الست اللي خرجت من التنازلات والألم وبقت هي اللي بتحدد الشروط: “الفرص بتعطى للناس اللي بتغلط في حق نفسها، مش للناس اللي بتهون عليها كرامة ولادها وزوجاتها عشان أرضاء غرورهم. أنت اخترت طريقك يا محمود، وأنا اخترت طريقي.. وطريقي هو بناتي وكرامتي، واللي يتطاول عليهم أو يمسهم، هيدفع الثمن بالقانون والعدل.”

سحبت بناتي ودخلت بيهم الأوضة، وقفلت الباب بالمفتاح، وسمعت صوت خطوات محمود وهو بياخد شنطته وبيخرج من الشقة مكسور الخاطر، وصوت الحاجة حكمت وهي بتقعد على الكنبة بتندب بختها وبخت ابنها اللي ضاع بسبب طمعهم. كنت عارفة إن دي مش نهاية المطاف، إن المهركجة والديون والمحاكم لسه هتبدأ، بس كنت حاسة لأول مرة إن البيت ده بقى بيتي أنا وبناتي، وإن حقنا رجع لنا وزيادة.

خرج محمود من البيت وشنطة هدومه في إيده، ومشي في الشارع بخطوات تقيلة كأنه شايل جبل على كتفه. الليل كان لسه مغيم على الحارة، وكل خطوة كان بيمشيها كانت بتبعده عن البيت اللي قضى فيه سبع سنين، بيتك اللي صنتيه وبنيتيه معا خطوة بخطوة.

الحاجة حكمت فضلت قاعدة على الكنبة في الصالة، عينها متبتة في الأرض ودموعها نازلة بسكوت. الكبرياء اللي كان مالي وشها اتمسح تماماً، وبقت حاسة إن كل الدسائس والزن اللي زنته في ودن ابنها انقلب عليها وكسر ظهرهم هما الاثنين. خرجت من الأوضة بعد ما اطمنت إن البنات ناموا، وبصيت لها بكل هدوء.

“مش هتطلعي شقتك يا حاجة؟” قلتها بصوت ثابت ميهتزش.

رفعت رأسها وبصت لي بقلة حيلة وقالت: “عملتي إيه في الولد يا هبة؟ دمرتيه ودمرتي مستقبله عشان شوية دهب؟ ده ابن عمك، وسندك، وأبو بناتك!”

قعدت قدامها على الكرسي وقلت لها بنبرة حازمة: “الدهب كان مجرد وسيلة يا حاجة حكمت، اللي دمر محمود هو الطمع، وجريه ورا كلامك إن البنات قلة بخت. محمود ما اتكسرش عشان الدهب اتباغ، محمود اتكسر لما اكتشف إن الست اللي جابها يتباهى بيها سابته في أول مطب، وأن الست اللي داس عليها هي اللي كانت شايلة بيته وشرفه من السجن. اللي جرى ده حصاد اللي زرعتوه إنتو الاثنين.”

سكتت الحاجة حكمت وما عرفتش ترد كلمة واحدة، قامت ببطء ودخلت أوضتها وقفلت الباب على نفسها، ولأول مرة البيت يهدى من الزن والمشاكل اللي كانت مبتنتهيش.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *