زينب حكايات أماني السيد 1

كانت زينب، مرات ابني الصغير، داخلة بيتنا من عيلة على قد حالها، ومن أول أسبوع شيلتها البيت كله فوق كتافها عشان أعرفها إنها داخلة على عز مش عزها. كنت بشوف طيبتها وهدوءها ضعف وخنوع، فكنت أسلط عليها سلايفها وأفهمهم إنها مش من توبنا، وإن وجودها بينهم مجرد مساعدة مش أخت.

لما سلفتها الكبيرة كانت بتجهز لجواز أختها، زينب وقفت في المطبخ تلات أيام تطبخ وتخبز للضيوف، رجليها ورمت وهي شايلة الصواني طالعة نازلة، والكل كان قاعد حاطط رجل على رجل بيتأمر عليها كأنها مستأجرة بالساعة. وحتى لما سلفتها التانية جالها دور برد شديد، زينب كانت تنزل الفجر تسخن الشوربة وتغسل الهدوم وتذاكر لعيالها عشان ترتاح، وكل ده عشان تشتري خاطرنا وتكسب كلمة حلوة تبل ريقها بعد التعب.

كنت دايمًا أقلل من كل لقمة تعملها ومن كل خطوة تخطيها، وأقول لابني: “مراتك ملهاش أصل وبتعمل كده عشان عارفة مقامها”. ولادي وسلايفها اتعودوا على ، لدرجة إن عيالهم في البيت بقوا يرموا القشر والورق على الأرض ويقولوا لبنت زينب الصغيرة: “نضفي مطرحنا، ماهي أمك بتنضف لستك وأمهاتنا كل يوم ومبتقولش لأ”.

القشة اللي كسرت الضهر كانت يوم عزومة الجمعة الكبيرة، البنت الصغيرة دخلت المطبخ تطلب حتة لحمة من الصينية، قامت سلفتها الكبيرة زقتها على الأرض وقالتلها بصوت عالي: “إنتِ تاكلي من بواقي الأطباق بعد ما نخلص، أمك لسه مخلصتش غسيل الحلل عشان تمدي إيدك!”. البنت قامت تبكي وراحت لأمها مسكت في جلابيتها ووشها كله قهر.

زينب في اللحظة دي وقفت، سابت المواعين اللي في إيدها، وبصت للكل بنظرة عمري ما شفتها فيها.

زينب ما صرختش، وما رمتش حلة على الأرض، ولا حتى رفعت صوتها بشتيمة واحدة من اللي كانوا مستنيينها عشان يمسكوا عليها غلطة. هي بس وطت جابت بنتها، مسحت دموعها بطرف طرحتها المبلولة مية وصابون، وخلت البنت تقف ورا ظهرها. النظرة اللي كانت في عينها ما كانتش كسرة، كانت تحول كامل، زي سد انهار فجأة بعد ما شيل مية أكتر من طاقته.

الحركة في المطبخ اتجمدت. سلفتها الكبيرة، نجوى، كانت لسه واقفة حاطة إيدها في وسطها والابتسامة الخفيفة على وشها، مستنية زينب تترجى أو تعيط زي كل مرة. بس زينب مشيت خطوات ثابته ناحية صينية اللحمة الكبيرة اللي كانت لسه طالعة من الفرن، الصينية اللي قعدت من الفجر تتبل وتسبك فيها. مسكت الصينية بإيدها العريانة، ورغم إن السخونية كانت تشوي الجلد، وشها ما اهتزش. شالت الصينية بجمود، ومشيت بيها لبرة المطبخ، في الصالة الكبيرة اللي كان قاعد فيها ابني الكبير وأخواته وعيالهم مستنيين الأكل.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *