زينب حكايات أماني السيد 1

عبد الله بص لزينب ورجعت عينه للأرض، وقال بصوت مكسور: “أنتِ اللي اخترتِ يا زينب.. لو مشيتِ من الباب ده، مش هترجعي تاني.”
زينب ابتسمت، ابتسامة نصر الحقيقة، وقالتله: “الباب ده أنا مش هعدي منه تاني حتى لو كنت . أنت طالق يا عبد الله.. قصدي أنت اللي خسرت.”
مشيت ناحية باب الشارع. سلايفها كانوا باصين لها بغل وحقد، بس كان في عينهم خوف مستخبي، خوف من الست اللي كانت مطأطأة رأسها وفجأة شالت السقف كله وهدته فوق رؤوسهم. فتحت الباب، وشالت بنتها على دراعها والشنطة في الإيد التانية.
أنا وقفت في نص الصالة وأنا بزعق بصوت عالي عشان أداري على الخزي اللي حسيت بيه: “غوري! مش هتكملي أسبوع وهتجيلي تبوسي إيدي ورجلي عشان أسامحك! الشارع مش برحيم يا زينب!”
زينب التفتت لي قبل ما تنزل أول درجة من السلم، وبصلتي بنظرة أخيره، نظرة فارقت فيها كل الخوف والضعف اللي عاشت بيه في البيت ده: “الشارع أرحم من بيتكم بكتير يا حاجة.. على الأقل في الشارع لو حد أطعمك لقمة بيطعمها بكرامة، مش بيمسح بيكِ الأرض قبل ما يرميهالك.”
ونزلت السلم بخطوات سريعة وثابتة. صوت جزمتها القديمة على السلم كان في قلبي زي الطبل. الصالة فضلت ساكتة. الأكل على السفرة كان لسه بيطلع بخار، صينية اللحمة اللي تعبت فيها كانت مرمية في النص.
عبد الله قعد على ألقرب كرسي وحط إيده على وشة. نجوى قربت مني وهي بتمثل الحزن: “معلش يا حاجة.. دي بت مكسورة جناح وأهلك مش هيشيلوها، بكرة ترجع ورأسها في الأرض.”
بس أنا ما ردتش على نجوى. حطيت إيدي على صدري وأنا حاسة بنغزة غريبة. المكان كان فاضي بشكل يرعب. المطبح اللي كان دايماً فيه حركة وصوت مية وخبيز بقى ساكت. الهدوم المترامية في الصالة، النظافة اللي كانت في كل شبر في البيت، الشاي اللي كان ينزل في ميعاده من غير ما حد يطلبه.. كل ده اختفى في لحظة.
عدى اليوم ده، والبيت كان في حالة فوضى. نجوى وسلفتها التانية حاولوا يطبخوا العشا، بس المطبخ كان يكركب، والأكل طلع محروق وما حدش ذاق منه لقمة. العيال كانوا بيبكوا وعايزين زينب عشان تسليهم وتسرح شعرهم زي كل يوم. عبد الله ما نزلش الورشة، كان قاعد في أوضته قافل على نفسه، ولأول مرة أشوفه بيشرب سجاير ورا بعض بجنون.
في اليوم التاني على الصبح، قلت لنفسي لازم أكسر مناخيرة زينب وأعرفها إنها ولا حاجة. أخدت عبد الله ونزلنا نروح لبيت أهلها في الحارة القديمة. كنت متوقعة ألقاها قاعدة بتعيط في الصالة وأمها بتلطم على وشها عشان بنتها رجعت غضبانة ومطلقة وببنت. كنت متوقعة إن أباها هييجي يبوس إيدي عشان أرجعها تغسل وتنضف تاني.




