زينب حكايات أماني السيد 1

رمت الصينية في نص السفرة برقعة هزت الخشب. الصوت جاب الكل من الأوض. طلعت أنا من أوضتي بسرعة وأنا بزعق: “جرى إيه يا بت أنتِ؟ اتجننتِ ولا إيه؟ نازلة ترزعي وتدبي كأنك صاحبة بيت؟”
زينب بصلتي، ولأول مرة تحط عينها في عيني من غير ما تبص لللأرض. صوتها طلع واطي بس يرن في الصالة كلها، زي صفير الريح قبل العاصفة: “أنا مش صاحبة بيت يا حاجة.. أنا كنت فاكرة إني دخلت بيت ناس عارفين ربنا، طلع بيت ناس بيشبعوا من قهر غيرهم. اللحمة دي مش هتدخل بطن حد فيكم النهاردة.”
ابني الكبير وقف بغضب ورفع صوته: “انتِ بتكلمي أمي كده إزاي؟ نسيتي نفسك ولا إيه يا زينب؟”
زينب التفتت له وهي بتبتسم ابتسامة مكسورة وفيها كمية قسوة مرعبة: “لا ما نسيتش.. أنا افتكرت. افتكرت إنك راجل وكان المفروض تنطق لما ابنك وبنتك يتهانوا، بس أنت بتهز رأسك وأمك بتسوقك. اللقمة اللي بتيجي بمسح جزمكم دي ما تلزمنيش، ولا تلزم بنتي.”
في اللحظة دي، نجوى سلفتها الكبيرة طلعت من المطبخ بتزعق: “شوفوا البت اللي جايبينا من الجوع بتتكلم إزاي! أنتِ ناسية إن أختي وهي بتتجوز أنتِ أكلتِ من خيرنا؟ ناسية إننا شايلينك وشايلين عيلتك؟”
زينب ما ردتش عليها بالكلام. مشيت ناحية نجوى بخطوة سريعة، ولأول مرة تتمد إيدها، مسكت جلباب نجوى من عند الرقبة وزقتها للحيطة قوتها كلها اللي كانت بتضيعها في غسيل الحلل وشيل الصواني. الكل اتهز، ابني الصغير (جوز زينب) كان لسه داخل من باب الشارع وشف الموقف، جرى وهو بيصرخ: “زينب! أنتِ بتعملي إيه؟ اتجننتِ؟”
زينب سابت نجوى اللي كانت بتترعش من الصدمة، وبصت لجوزها. بصة خلته يقف في مكانه وما يقدرش يخطو خطوة زيادة. قالتله: “أنت جيت؟ كتر خيرك إنك جيت تشهد النهاية. ابنك وبنتك بقوا يترمى لهم الأكل في الأرض زي الكلاب، وأمك وأخواتك وسلايفك شايفين إن ده مقامنا. أنت كنت فين لما بنتك دخلت تطلب حتة لحمة من تعبي وقالتلها سلفتك الكبيرة تاكلي من الزبالة بعد ما نخلص؟”
جوزها بص لي وبص لنجوى، وشة اصفر، بس ضعفه المعتاد غلب عليه وقال بصوت واطي: “طب اهدي يا زينب، مفيش حاجة تستاهل.. كبري عقلك وتعالي جوة نتكلم.”
“أكبر عقلي؟” زينب ضحكت بصوت عالٍ هز البيت، ضحكة كان فيها وجع سنة كاملة من الذل. “عقلي كبر خلاص يا عبد الله. كبر لدرجة إنه مش مستوعب وجودي دقيقة واحدة كمان في الخرابة دي.”




