زينب حكايات أماني السيد 1

وصلنا الحارة، البيت القديم اللي مبني بالطين والحجر. طلعت السلم وأنا بهز في غوايشي وبمشي بتكبر، وعبد الله كان ماشي ورايا ساكت زي الخيال. خبطت على الباب بقوة وكأني بفتحه برجلي.
فتح الباب أبوه، راجل كبير وشغلاته على قد حاله، بس كان فيه هيبة ورضا عمري ما فهمتهم. بص لي وبص لعبد الله، وما ظهرش على وشة أي اندهاش أو خوف.
دخلت من غير ما يستأذن وقعدت على الكنبة المكسورة في الصالة وأنا بقول بصوت عالي: “صباح الخير يا أبو زينب. بنتك جاتلكم أمس وبتقول طلقني، وجايبة بنتها معاها. طبعاً أنت عارف إن تصرفها ده قلة أدب وما يصحش، وأنا جيا أقولك إن البيت بيتكم وبنتكم لو ما رجعتش وعرفت مقامها وعادت تتأسف لضرايرها ولجوزها، ملهاش مكان عندنا تاني!”
زينب طلعت من الأوضة الجوانية. ما كانتش لابسة الجلابية المبلولة، كانت لابسة طقم نضيف وشعرها مشطوف ومربوط، وشها كان رايق كأنها أخدت قسط من الراحة بقالها سنين ما أخدتوش. بنتها كانت قاعدة تلعب جنبها بفرحة.
زينب ما اتكلمتش، سابت أبوه هو اللي يرد. الراجل الكبار قعد قصادي، وبص لي بنظرة كلها حسرة على الشيبة اللي في رأسي، وقال بصوت هادي وتقيل: ” يا حاجة.. زينب جاتلي إمبارح، ورجليها كانت مورمة ويديها متقطعة من الصابون والخدمة. حكتلي كل حاجة، من أول يوم دخلت فيه بيتك لحد ما سلفتها زقت بنتها وقالتلها كلي من الزبالة.”
أنا قاطعتها بسرعة: “بنتك بتتفشر وتتبلى علينا! إحنا كنا مأكلينها شاربينها ومغرقينها خير!”
الراجل رفع إيده بالراحة وكتم صوتي بهيبته: “الخير اللي بيجي بإهانة الكرامة يبقى سم يا حاجة. أنا راجل فقير، وعلى قد حالي، وباكل ألقمة بعرق جبيني، بس عمري ما أكلت لقمة فيها ذل. زينب لما اتجوزت ابنك، جيتوا خطبتوها وقلتوا دي بنتنا وهتشيلوها في عينيكم. طلعتوا جايبين خدامة بلقمتها.”
عبد الله اتكلم بخوف: “يا عمي أنا بحب زينب، وهي كبرت الموضوع..”
الراجل بص لعبد الله بنظرة احتقار خلته يسكت فوراً: “لو بتحبها يا ابني، ما كنتش سبت أمك وأخواتك يكسروا نفسها كل يوم. الراجل اللي ما يحميش مراته في بيته، ما يستاهلش تخدمه يوم واحد. زينب مش هترجع البيت ده تاني. ولو هي طلبت الطلاق، فأنتم اللي جبرتوها عليه. الشنطة اللي جابتهامعاها هي كل اللي طلعت بيه من عزكم، وبنتي بكرة الصبح هتنزل تشتغل في مصنع الغزل اللي في أول الحارة، وهتأكل بنتها من عرق جبينها ورأسها مرفوعة فوق.”




