أم جوزي أماني السيد 2

أصبح شريط الساعات في حياة أحمد أطول من اللزوم، كأنه عقاب سرمدي لا ينتهي. الشقة الفخمة ذات الديكورات المودرن والأثاث المستورد تحولت إلى متحف للشبحية والندم؛ الصالة الواسعة التي خطط أن يعيش فيها أيامه الرومانسية مع عروسه الشابة، أصبحت تنبعث منها رائحة المستحضرات الطبية والمنظفات ذات الرائحة النفاذة التي طالما هرب منها وسكب بسببها كبرياءه عليّ.
في كل صباح، كان يصحو على صوت أنين أمه المتواصل. أمه التي كانت ترسل دعواتها له بالفرح وهي تشاهد ألبوم صور زفافه على حساب صحتي، أصبحت لا تدعو الآن سوى برؤيتي. كانت تناديه بصوت مرتعش وهي تتألم في فراشها: “يا أحمد.. كلم حكمت، قولها تيجي سامحني، إيدها كانت رحيمة يا بني، أنت مش عارف تعمل حاجة.. أنت بتوجعني يا بني!”
وكان كلامها ينزل على قلبه كالسياط. يقف أمامها بقلة حيلة، يحاول أن يغير لها حفاضتها فتلتصق يداه بالنجاسة التي كان يتهرب منها، ويحاول أن يغسل جسدها المريض فينزلق بها في الحمام، فتصرخ وتستغيث بالجيران. تحولت طقوس الرعاية بالنسبة له إلى معركة يومية يستنزف فيها كل طاقته البدنية والنفسية، ليخرج منها كل صباح وجهاً شاحباً وعينين غائرتين يملأهما الإرهاق.
لم يقف الأمر عند حد الخدمة الإجبارية، بل حاصرته الديون من كل جانب. العروس السابقة، بعد أن حصلت على حكم الخلع، رفعت عليه دعاوى قضائية أخرى للمطالبة بمؤخر الصداق وباقي مستحقاتها المالية وتكاليف تجهيز نفسها لليلة الزفاف التي لم تكتمل. ولأن المستندات التي قدمها محاميّ للمحكمة كانت تثبت ملكيته للشقة الكبيرة وشراء أنصبة إخوته كاش، فقد اعتبرت المحكمة يساره المالي حقيقة ثابته لا تقبل الشك.
أصبحت الأحكام القضائية تنزل على رأسه كالمطر: حكم بنفقة صغار بمبلغ كبير، وحكم بأجرة حضانة، وحكم بنفقة زوجية متأخرة، بالإضافة إلى الأقساط والديون التي اقترضها من بنوك وأشخاص ليتفاخر بفرحه الفخم ويهادي بها عروسه على شواطئ المدن الساحلية. اضطر تحت وطأة التهديد بالحبس إلى بيع أجهزة الشقة الكهربائية الجديدة قطعة تلو الأخرى بأبخس الأسعار لسداد المستحقات العاجلة، حتى فرغت الصالة الفخمة من رونقها وأصبحت كئيبة وموحشة.
في العمل، تدهور أداؤه بشكل مريع. كثرت غياباته وتأخيراته بسبب اضطراره للبقاء بجانب أمه أو نقلها للأطباء بمفرده، فجاءه إنذار تلو الآخر من إدارته، وتم خصم أجزاء كبيرة من روتبه المتأخرة، ليجد نفسه يخسر دخله في الوقت الذي كان يحتاج فيه إلى كل جنيه.





