أم جوزي أماني السيد 2

عندما وصله أصل الحكم التنفيذي، جنّ جنونه. لم يستطع تحمل الضغط المالي إلى جانب الضغط النفسي والجسدي. وفي ليلة شديدة البرودة، وبينما كنتُ أجلس مع أطفالي نراجع دروسهم في هدوء ودفء، سمعنا طرقاً شديداً ومتواصلاً على باب الشقة.

فتح أخي الباب ليجد أحمد واقفاً في الممر. لم أكن لأعرفه لولا صوته؛ كان شاحب الوجه، غائر العينين، بذقن طويلة ومهملة، وثيابه تفوح منها رائحة المطهرات والمنظفات المنزلية. كان يلهث وكأنه كان يركض لمسافات طويلة.

حاول الدخول، لكن أخي وقفه بحزم ومنعه من تخطي العتبة: “عايز إيه يا أحمد؟ مفيش لك مكان هنا.”

سقط أحمد على ركبتيه عند الباب، في مشهد لم أكن أتخيله يوماً من رجل أذاقني الهوان وكبرياء الزائف. نظر إليّ من خلف ظهر أخي بعيون ملؤها الدموع والتوسل وقال بصوت مبحوح: “حكمت.. عشان خاطر ربنا، ارحميني. أنا بستغيث بيكي.. أمي هتموت مني، وأنا مش قادر، ومش ملاحق على مصاريف ولا قرف ولا قضايا. أنا ضعت يا حكمت.. ضعت بجد.”

خرجتُ وقفتُ بجانب أخي، ونظرتُ إليه ببرود تقتله الحقيقة. لم أعد أرى فيه ذلك الرجل الذي كنت أخشى غضبه، بل رأيت شخصاً صغيراً جداً، كسره ذنبه وظلمه.

قلتُ له بنبرة جافة لا تحمل أي ذرة عاطفة: “طالع لي ليه يا أحمد؟ وين العروسة الصبية؟ وين الشقة المودرن والفرح الملكي اللي صرفت عليه دم قلبك وقوت عيالك؟ مش كنت بتقرف تاكل من إيدي عشان بغير لأمك؟ دلوقتي بقيت أنت اللي بتغيرلها وبتقرف من نفسك؟”

بكى بحرقة وقال: “أنا غلطت، كنت عمي وخاني التفكير، وافتكرت إن الفلوس والدلع هيجيبوا لي السعادة.. العروسة سابتني ورَفَعت عليا خلع وأخدت اللي أخدته، وإخواتي باعوني ورفضوا يرفعوا قشة عن أمهم. الشقة اللي وضبتها بقت زي القبر، وأمي كل يوم بتدعي عليا وعلى اللي حصل.. ارجعي يا حكمت، والله هكتب لك الشقة باسمك، وهسجل كل حاجة ليكي ولعيالك، بس انقذيني من المستنقع ده!”

ابتسمتُ ابتسامة صغيرة، فيها كل معاني الاستهزاء بما يعرضه: “تكتب لي الشقة؟ أنت فاكر إن صحتي وشبابي وكرامتي اللي أهدرتها تحت جزمة أهلك ممكن تشتريها بشقة؟ الشقة دي اتهد حيلي فيها وأنا بنضفها وأهلك بيسيبوا وراهم الوساخة، الشقة دي اتدفن فيها عمري، ومش عايزاها ولا عايزة نص متر فيها. أنا أخدت حقي بالقانون، ونفقة عيالي هتوصلني كل شهر غصباً عنك، وأنت هتقعد تخدم أمك وتدفع تمن كل لحظة حسستني فيها إني خدامة عندك.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *