أم جوزي أماني السيد 2

انحنى أكثر وقال بكسرة: “سامحيني.. ارجعيلي بس عشان أقدر أكمل، هكتبلك الشقة الكبيرة باسمك، وهكتبلك كل حيلتي، وأقسم بالله هعيش تحت جزمتك خدام ليكي ولعيالك.. بس انقذيني من القرف والوحدة دي!”
نظرتُ إليه مطولاً، ورأيتُ في عينيه الصورة الكاملة للعدالة الإلهية؛ العدالة التي تجعل الظالم يتذوق بنفسه نفس الكأس التي أذاقها لغيره.
ابتسمتُ ابتسامة سردت كل آلامي القديمة، وقلتُ له بكلمات كأنها أحجار ثقيلة: “تكتبلي الشقة؟ الشقة دي اتهد حيلي فيها وأنا بنضف وساخة إخواتك، الشقة دي اتدفع تمنها من صحتي ونومي وقوتي، ومش عايزاها ولا تلزمني. أنت فاكر إن الخدمة والذل اللي بتعيشه دلوقتي يتقدر بفلوس؟ أنت بتدفع تمن كل مرة قرفت فيها مني، وكل مرة حرمت عيالك من اللقمة عشان تروح تدلع وتعمل فرح فخم وتصرف الملايين كاش على ست جديدة.”
صرخ بنحيب: “طب وأمي؟ أمي ملهاش ذنب، أمي بتدعي عليا وعلى السير اللي مشينا فيه! ارحمي شيبتها!”
رددتُ عليه بقسوة بالغة: “أمك هي اللي وقفت ورا أختك وشافت الصور وقالت ‘تستاهل كل قرش اتصرف عليها’ وهيا عارفة إن القرش ده مقتطع من بطن عيالي! أمك شافت ظلمك وسكتت وباركتلك، ودلوقتي ربنا بيخليها تشوف عقابك بيديها قبل ما تقابل وجه كريم. أمك دي أمك أنت، شيلها ونضفلها بيدك اللي كانت بترفض تمسك إيدي.. وذوق القرف اللي كنت بتخليني أعيشه ببلاش وأنا بتبهدل مع أهلك.”
في تلك اللحظة، خرج أطفالي من باب المدرسة. ركضوا نحوي وامتسكوا بيدي وأنا أبتسم لهم بحنان. نظر أحمد إلى أطفاله، وحاول أن يمد يده ليلمسهم أو يناديهم، لكن ابني الأكبر نظر إليه بجفاء واستغراب، ثم شدّ يدي وقال: “يلا يا بابا نبتعد.. يلا يا ماما نروح.”
لم يجرؤ أحمد على النطق بكلمة واحدة. وقف مجمداً في مكانه تحت المطر المنسكب، يشاهدني وأنا أمسك بأيدي أطفالي ونبتعد عنه بخطوات واثقة وسعيدة، نركب سيارة أجرة ونتركه خلفنا غارقاً في ديونه، وخدمته الإجبارية، وندمه الذي جاء بعد فوات الأوان.
عُدتُ إلى بيتي، وأنا أعلم أن الفصل القادم من حياتي سيبدأ مرفوع الرأس، بينما يظل هو في قفص ذنوبه، يدفع ثمن جحوده وقسوته يوماً بعد يوم.





