أم جوزي أماني السيد 2

قال بصوت خافت وهو ينتحب: “طب أمي.. أمي ملهاش ذنب، دي ست مريضة، مش هتقدر تشيل ذنبها؟”
رددتُ عليه بقسوة يفرضها الحق: “أمك هي اللي وقفت تتفرج على فيديوهات فرحك وأنت طالع على جثتي، أمك هي اللي قالت عن عروسك الجديدة ‘تستاهل كل قرش اتصرف عليها’ وهي عارفة إن القرش ده محصوم من بطن عيالك ومقتطع من صحتي! أمك رضيت بالظلم وشاركت فيه، ودلوقتي ربنا بيرد لها ولِك العدل في الدنيا قبل الآخرة. أمك دي أمك أنت، شيلها وزي ما أختك قالت لك: الشقة بقت ملكك لوحدك، فشيل أمك لوحدك!”
أمسك قدم أخي يترجاه أن يتوسط، لكن أخي دفعه بهدوء وقال له: “قوم يا أحمد، كفايتك خزي لحد كده. لو راجل بجد روح ارحم نفسك واخدم أمك اللي أكلت حقنا وحق اختنا عشانها، وبلاش تيجي هنا تاني عشان المرة الجاية التعامل هيكون عن طريق الشرطة والمحاكم.”
قام أحمد يجر أقدامه يجر معها خيبته وإنكاسه. كان يمشي في الشارع بخطوات ثقيلة كأنه يحمل الجبال على كتفيه. عاد إلى شقته المهجورة ليجد أمه تبكي وتصرخ من الألم بعد أن تركها لأكثر من ساعتين دون تغيير. اضطر للعودة إلى الطقوس ذاتها، ينظف ويمسح ويتحمل الصراخ والرائحة التي كان يهرب منها، بينما كان تفكيره ينصبّ على كيفية سداد النفقات المتراكمة التي أصبحت تهدده بالحبس إن لم يسددها في مواعيدها.
بدأت محاكماته المالية تتوالى، واضطر لأول مرة في حياته إلى بيع سيارته التي كان يتباهى بها، لكي يسدد للعروس السابقة مستحقاتها ويتقي شر أحكام النفقة الصادرة لصالحي ولصالح أطفالي. أصبحت ديونه تطارده في كل مكان، وشعوره بالعجز ينخر في عظامه.
أما أنا، فبعد أسبوع واحد من تلك الليلة، كان أول يوم لي في عملي الجديد بمركز تحاليل طبية بعد أن قمت بتنشيط شهادتي وحضور دورات تدريبية مكثفة. خرجتُ من المنزل في الصباح الباكر، مرتدية ثياباً أنيقة، وأنا أمسك بأيدي أطفالي لأوصلهم إلى مدرستهم. كانت الشمس تشرق في قلبي قبل السماء، وشعرتُ بأن الحياة تُعاد إليّ ناصعة خالية من المرار والخديعة.
كنتُ أعلم أن أحمد يعيش في جحيم زمني لا ينتهي؛ جحيم الخدمة الإجبارية لأمٍ جحدت تضحياتي، وحيداً بلا زوجة ولا إخوة ولا مال، بينما أقف أنا على أرض ثابتة، أربي أطفالي بكرامة وعزة، وأراقب من بعيد كيف يدور الزمان ليثبت للجميع أن ظلم النساء لا يمر دون عقاب رادع.




