أم جوزي أماني السيد 2

أما إخوته، فقد تجردوا من كل معاني الإنسانية. أخته التي كانت تنقل الفيديوهات وتتندر على التضحيات التي قدمتها، حظرت رقمه تماماً بعد أن نشبت بينهما مشاجرة حادة على الهاتف عندما طلب منها الاستعانة بها ليوم واحد كي يذهب لإنجاز عمله. قالت له جملتها الشهيرة قبل أن تغلق الخط في وجهه: “أنت اللي أخدت الشقة واشتريت نصيبنا فلوس نقدية عشان تبسط مراتك.. تشيل أمك لوحدك، إحنا أخدنا حقنا ومش مسؤولين عن القرف ده!”
أما أنا، فكانت حياتي تسير في اتجاه مختلف تماماً.
بدأتُ أستعيد أنفاسي في عملي الجديد بالمركز الطبي. أثبتُ كفاءتي وانضباطي بسرعة، وحصلتُ على مكافأة تشجيعية في شهري الثاني. عاد نبض الحياة إلى عروقي؛ بدأتُ أهتم بمظهري، وأرتدي الملابس الأنيقة، وأرافق أطفالي إلى نادٍ رياضي قريب سجلتهم فيه بفضل أموال النفقة التي أصبحت تُخصم من حسابه البنكي بحكم المحكمة. كان أطفالي يضحكون من قلوبهم، ويزدهرون دراسياً بعد أن اختفت من حياتهم المشاحنات وصور الحرمان والذل.
في يوم من أيام الشتاء الممطرة، وبينما كنتُ أقف أمام مدرسة أطفالي أنتظر خروجهم ومعي مظلتي، رأيتُ سيارة قديمة متهالكة تتوقف على جانب الطريق. نزل منها أحمد.
لم أصدق أن هذا هو نفس الرجل الذي كان يرقص ببدلته الأنيقة ويحمل عروسه على كتفه أمام أمواج البحر. كان يرتدي معطفاً قديماً ومجعداً، وشعره متناثر، ووجهه يحمل علامات الذل والانكسار. كان قد باع سيارته الحديثة واشترى هذه السيارة المتهالكة ليدبر بفارق السعر مصاريف القضايا.
ترجل من السيارة بخطوات بطيئة واقترب مني. أردتُ أن أبتعد، لكنه وقف أمامي وسدّ طريقي، ونظر إليّ بعيون ترقرقت فيها الدموع.
قال بصوت خافت ومبحوح: “حكمت.. أرجوكي استمعي ليا دقيقة واحدة بس.. مش طالب أكتر من دقيقة.”
وقفتُ بثبات، ولم تظهر على وجهي أي ملامح شفقة، وقلتُ بنبرة حادة وصارمة: “عايز إيه يا أحمد؟ أظن المحامي قالك إن الكلام بينّا بقى بالقانون بس.”
شبك يديه ببعضهما وتوسل بنبرة كأنها استغاثة غريق: “أنا بموت يا حكمت.. أنا بقيت عايش في جهنم! أمي بقالها أسبوع قعيدة تماماً ومبقتش تقدر تتكلم غير بكلمات بسيطة، وأنا بطعمها وبنضفها وأغسلها وبغيرلها الحفاضات بإيدي كل يوم.. أنا اللي كنت بقرف من اللقمة! ربنا بيعاقبني أشد عقاب يا حكمت، الشقة اتقفلت عليا، والعروسة سابتني وعملتلي خلع وركبتني ديون، وإخواتي سابوني وأمي بتموت مني كل يوم وأنا مش عارف أعمل إيه!”




