عندي بنتين أماني السيد ١

لكن المطبخ مكنش ساكت.
فجأة، صوت إقعاق الأطباق اقطع تمامًا. حسيت بهواء بارد دخل الصالة، ولما لفيت وشي، لقيت سمر واقفة عند باب المطبخ. إيديها كانت مبلولة، وشها أبيض كالثلج، وعينيها مش مدمعة… دي كانت عيون ناشفة، مكسورة، بس مليانة بغضب وقهر سنين طويلة انفجر في لحظة واحدة.
وقفت بصالي بصمت مرعب، وقالت بصوت خافت بس كان أصوات الرعد كله جوه صدري:
— يعني حتى دي يا ماما؟ حتى الستر والفرحة اللي ربنا باعتهم لي، تقومي تبيعيهم وتباعيني عشان أختي؟ أنا كنت مفكرة إنك بتحبيها أكتر عشان هي الصغيرة، بس دلوقتي فهمت… إنتِ مش بتحبيها، إنتِ بتكرهيني أنا!
اتنترت من مكاني برعب خفيف، حاولت ألم الموضوع وأزعق كعادتي عشان أغطي على فضيحتي:
— إنتِ قليلة الأدب! بتكلمي أمك كده؟! وبعدين أنتي مالك، أنا أدرى بمصلحة أخواتك…
قاطعتني بصرخة هزت أركان البيت كله، صرخة طلعت من عمق قلب مجروح:
— كفاية كدب بقى! كفاية ظلم! عشر سنين وأنا بدوس على روحي عشان أرضيكِ، أشيل الشغل، وأنظف، وأسكت لما تفرقي بيني وبينها في اللبس والأكل والمصروف، وكنت بقول بكرة تحس بيا! لكن توصل لإنك تبيعيني قدام عمتي وتطلعي فيا العبر عشان تاخدي عريسي وتديه لدلوعتك؟! ده أنا بنت بطنك يا شيخة!
الصغيرة طلعت من أوضتها تضحك بلؤم وعاوزة تكيدها، وقالت بصوت مألوف في قسوته:
— ايه يا سمر زعلانة ليه؟ ما هو العريس لو كان عايزك بجد كان سأل عليكي إنتِ مش أنا، بس العقل بيقول إن…
قبل ما تكمل جملتها، الصدمة التانية حصلت.
تليفوني اللي كان على الترابيزة رن بصوت عالي.. رقم “عمتهم”.
باستغراب وقلق، فتحت الخط وحطيته على أذني، وكنت فاكرة إنها بتأكد المعاد للصغيرة، لكن صوت عمتها طلع حاد، قاسي، ومليان احتقار واشمئزاز لدرجة خلتني أتجمد مكاني:
— اسمعي يا أم سمر… أنا كنت مفكراكِ ست عاقلة وبنت أصول، ومكنتش أعرف إن الجشع والظلم وصلوا بيكي لكده!
بلعت ريقي بصعوبة، وصوتي طلع مهزوز:
— خـ… خير يا أم أحمد؟ في إيه؟!
عمتها كملت كلامها بغضب نزل عليا زي الصاعقة:
— الخير إِنّي كنت واقفة في البلكونة اللي تحت شقتكم، وسمعت كل كلمة قولتيها في التليفون عن سمر، وسامعتك وِإنتِ بتطعني في شرفها وأمانتها عشان تلمّعي البنت اللي ربّتيها على الطمع والغرور! ابني أحمد هو اللي طلب سمر بالاسم، وشاف أخلاقها وعقلها وهي نازلة ورايحة تجيب طلبات البيت، وكان مبهور بأصلها وتربيتها اللي “إنتِ” ما تستاهليهاش أصلا!





