حمايا بنى عمارة أماني السيد ٣

ساعتها بس، حماتي شافت الجد وعرفت إن الموضوع دخل في سكة محاكم وأقسام، وإن بنتها هتخرج مطرودة بفضيحة قدام الحارة كلها وهتتحبس لو فكرت تبتز أكتر من كدة. البيت اتقلب، وإخوات جوزي اتدخلوا بكل ثقلهم.. سلفي الكبير جه وخبط على بابي وهو معاه جوزي وأخوه التاني، وقعدوا وقالوا: “حقك فوق راسنا يا سحر، وبلاش نوصل للمحاكم اللي حبالها طويله والنهاردة الموضوع ده هيتقفل نهائي.”
القعدة كانت حاسمة ومليانة شد وجذب، بس صوت الحق والورق كان حاطط السكينة على رقابهم. في الآخر، انكسرت شوكة مرفت ورضخت للأمر الواقع بعد ما لقت إن مفيش ولا مليم هيدخل جيبها، وإن القانون واقف في صفي بنسبة مية في المية.
وانتهى الاتفاق على الحل الوحيد اللي يحفظ ماية وشهم: مرفت تلم عفشها وعيالها وتنزل تعيش مع حماتي في شقتها اللي في الدور الأرضي، والشقة تتسلم ليا بالمفتاح وعلى بياض قدام إخواتها كلهم.
يوم النقل، وقفت في مدخل الشقة، شفتهم وهما بينزلوا الكراكيب لشقة أمها.. مرفت كانت نازلة السلم عينيها في الأرض ومكسورة كسر السنين، وحماتي ساكتة ومقدرتش تنطق بحرف.
أول ما خرج آخر عيل من عيالها، مسكت المفتاح بإيدي، دخلت ورزعت الباب، ودورت الكالون تلات تكات.. قعدت على الأرض في الصالة الفاضية، وسندت ضهري على الحيطة، ولأول مرة من خمس سنين أتنفس نفس كامل من غير غصة.. الشقة رجعت لحضن صاحبتها، والابتزاز واللؤم انداسوا تحت جزمة الحق والقانون.
فضلت قاعدة على الأرض في نص الصالة الفاضية، سامعة رنة السكوت اللي مكنتش حسيت بيها من شهور طويلة. الحيطان كانت متبهدلة ومحتاجة وش نضافة، وشخابيط عيالها مالية المداخل، بس الهوا جوة الشقة كان مختلف.. كان خالي من ريحة الغل والظلم.
قومت على حيلي، وطلعت مفك ومفتاح جديد كنت شرياه وأنا راجعة من عند المحامي. أول حاجة عملتها إني غيرت كالون الباب بإيدي، شيلت القديم اللي كان مع حماتي نسخة منه وركبت قلب جديد، وحطيت المفاتيح التلاتة في جيبي.
نزلت على شقتي، لقيت جوزي قاعد في الصالة، حاطط راسه بين إيديه والهم راكبه، مش قادر يحط عينه في عيني. قربت منه بهدوء ورزعت المفتاح القديم على الترابيزة قدامه:
* “الكالون اتغير يا ابن الناس، والشقة قفلتها بضبتها ومفتاحها.. واللي حصل ده درس عمري ما هنساه، لا ليك ولا لأهلك.”
رفع عينه وبصلي بكسرة:
* “حقك عليا يا سحر.. والله ما كنت متخيل إن الأمور هتوصل لكدة، دي أختي وكنت فاكرها هتعمل حساب للدم.”
رديت بابتسامة باردة كلها وجع:
* “الدم عمره ما حمى حق يا أبو ابني.. القانون والورق والوقفة الحامية هما بس اللي بيحموا. لولا إني وقفت على رجلي وجرجرت الورق في المحاكم وكان إخواتك في ضهري بالحق، كان زمان شقايا راح في بطن أختك ولا كنت أنت هتنطق بكلمة.”
من اليوم ده، بدأت صفحة جديدة تماماً..





