الكلمات نزلت عليا زي صاعقة نزلتهالسماء على دماغي، حسيت إن رجليا مبقتش قادرة تشيلني، والكيس اللي فيه الفاكهة اتقطع واتدحرجت التفاحات على التراب تحت رجلين الناس اللي متجمعة. بصيت لـ «عصام» وهو واقف حاطط إيده في جيوبه، بيبصلي بابتسامة قذرة مليانة غل وشماتة، كأنه بيشفي غليله مني ومن تمركدي عليه يوم المستشفى. وبصيت لـ «طارق».. أبو نور.. الراجل اللي مكنش ليه طاري ولا حس من يوم ما اتطلقنا وسبته وهي لسه رضيعة، وجاي دلوقتي يمد إيده وياخدها مني في أكتر لحظة أنا متمسكة بيها فيها ومستعدة أمو. ت عشانها. طرق في وشي الورقة اللي كان ماسكها، وابتسم ببرود سمّع الكل:— «إيه يا نجوى؟ ولا كأني أبوها ولا إيه؟ البنت بنتي، وورقة طلاقك التانية دي سقطت حقك في الحضانة، وأنا متجوز وعندي شقة وعيلتي تتربى في وسطهم، مش مترمية في بيت أمك وفي حضانة مشاغل ووقت ما تحبوا تفتكروها تفتكروها! المحكمة معايا، والشرطة في ضهري، ولو منعتيني هاخدها بالقانون وغصب عنك!». صوت صريخ «نور» جه من فوق من بلكونة أمي وهي بتصرخ بصوت مقطوع:— «ماماااااا!.. ماما متخليهمش ياخدوني! ماما تعالييلي!». الكلمة دخلت في قلبي زي السكينة. مبقتش شايفة قدامي، الكرامة والخوف والضعف كله اتهد في لحظة. جريت على طارق وشدّيت الورقة من إيده قطعتها حتات وراميتها في وشّه وأنا بصرخ بصوت عكّس كل وجع الدنيا:— «بنتي مش قطعة قماش عشان تيجوا تتخانقوا عليها! إنت كنت فين يا هوان طوال الأربع سنين اللي فاتوا؟ كنت فين وهي بتستحضر وبتـ،،مــ،ـو_ت في المستشفى؟ كنت فين وهي بتنام وهي دافنة وشها في هدومي من كتر الخوف والوجع؟ دلوقتي افتكرت إنك أبوها عشان تكسرني بيها؟! والله ما هياخدوها مني غير على جـ،،ثـــ،ـتـــ،ـي!». الناس في الحارة بدأت تتلم وتتكلم، وأمي خرجت تجري من الباب مَلطومة على وشها وبتصرخ في طارق:— «حرام عليك يا ابني! سبها في حالها، البنت لسه خارجة من المو. ت، هتم. وتوها مرتين؟! دي حتة عيلة مالهاش ذنب!». عصام ضحك بصوت عالي وقال لطارق بستهزاء:— «خد بالك منها دي لسانها طويل وعايزة تربية، وأنا ريحت دماغي منها.. خلص منها وخد بنتك وخليني أنضف ريحة الشقة منها!». ركب عصام عربيته ومشي بكل برود ودوس على قلب أم مكسورة. وطارق قرّب مني وشدني من دراعي بقسوة وهو بيقول:— «قدامي على القسم.. معاية حكم مؤقت بضمها لحد ما الجلسة تتم، يالا عشان متتفضحيش أكتر من كده!». أمي مسكت في دراعي التاني وبتعيط، ونور نزلت تجري على السلالم وهي حافية وبتزعق وتترمي في حضني وتخبي وشها في بطني وهي بتصرخ:— «ماما مش هسيبك! مش هروح مع الراجل ده! أنا عايزة ماما!». نزلت على ركبي قدام نور، لميت وشها الصغير بين إيديا اللي كانت بتترعش، وبوّست عينيها المليانة دموع، وقلبي بينزف، بس وسط كل الدمار ده، حسيت بنار بتولع في صدري.. مفيش قوة على وجه الأرض هتقدر تبعد بنتي عني تاني.. حتى لو ههرب بيها لآخر الدنيا! الجزء الرابع صوت صريخ نور وهي متشعلقة في رقبتي كان بيخترق عضم جمجمتي، أظافرها الصغيرة غرزت في لحم قفايا كأنها قطة مذعورة بتتشبث بالحياة، ودموعها السخنة كانت بتنززل على صدري تكويه كوي. طارق واقف فوق راسي، عينه حمرا زي الجمر، وشايف في انهيارنا انتصار شخصي لنرجسيته المريضة، مد إيده الضخمة الخشنة وقبض على كتف نور الصغير عشان ينتزعها من حضني بالقوة:— «سيبي البت يا بت انتي! هو لعب عيال؟ ده أمر تنفيذ من النيابة يا جاهلة، هتدخلي الحبس بتهمة خـ،،طـــ،ـف قاصر ومقاومة السلطات لو ما فكيتي إيدك دي حالا!». البنت صرخت صرخة شقت الحارة كلها: «لااااااا! يا ماما متخليهوش يمسكني! هيمو. تني يا ماماااا!». في اللحظة دي بالظبط، اتولدت جوايا وحشية أنثى بتدافع عن وليدها، طاقة عمياء معرفش طلعت منين خلتني أزق طارق بكل قوتي في صدره، الراجل اختل توازنه ورجع خطوتين لورا وخبط في كبوت عربيته، صرخت فيه بصوت مجروح طالع من حشايا:— «إيدك دي لو اتمست على شعرية واحدة من بنتي قسماً برب العزة أكون قاطعاها ومخلصاها منك! البنت لسه خارجة من الإنعاش، سكرها بينهار من الخضة، لو جرالها حاجة دمها هيكون في رقبتك ورقبة الكلب التاني اللي مسلطك عليا!». أمي كانت واقفة بتصرخ وتلطم وشها بإيديها الاتنين، وشالها وقع على الأرض في التراب: «يا ناس يا هوووو! الحقونا يا ولاد الحلال! الراجل عايز يقتل بنتنا! أربع سنين ميعرفش عنها لقمة ولا شربة ودلوقتي جاي يقلب عيشتنا! يا أهل النخوة فينكوا؟!». الشارع كان بدأ يغلي، الناس في الحواري الشعبية مهما سكتت على كلام الطلاق والجواز، بيقفوا زي الحيطة لما يشوفوا طفلة بتتسلخ من حضن أمها عيني عينك. الحاج عبد الرازق، صاحب محل البقالة اللي في وش بيتنا، راجل عجوز بضهر محني بس بكلمة تهز الحارة، خرج بعصايته الخيزران وزعق بصوت جهوري:— «جرى إيه يا جدع منك له؟ الحارة دي ليها حرمة ورجالة! إنت جاي تستعرض عضلاتك على ولية وبنتها الرضيعة في عز الضهر؟ ورقة إيه وزفت إيه اللي تخليك تشد عيلة مريضة كدة؟ ما تختشي على دمك يا أخي!». شباب الحارة بدأوا يتجمعوا ويحاوطوا طارق وعربيته، النظرات كلها كانت بتتوعده، وطارق حس إن الأرض بتتسحب من تحت رجليه، بص حواليه بريبة وبلع ريقه، بس كبريائه منعه يتراجع، رفع الورقة المتقطعة اللي لمها من الأرض وزعق وهو بيبص للحاج عبد الرازق:— «دي بنتي! القانون هو اللي بيقول كده، أمها اتجوزت وسقطت حضانتها، وأنا جاي أنفذ حكم المحكمة، انتوا هتقفوا ضد الحكومة ولا إيه؟». رد عليه الحاج عبد الرازق وهو بيقرب منه وبيشاور بعصايته في وشه:— «الحكومة ليها أقسام ومحاكم، مش بلطجة في الشوارع وخطف عيال على المسا! البنت لسه تعبانة وأهل الحارة كلهم عارفين إنها كانت في الإنعاش أولتيمبارح.. لو ليك حق، تاخده بالأصول وبالقانون من غير ما تبهدل لحمك قدام الغريب والقريب، ودلوقتي اتفضل اركب عربيتك وغور من هنا، وإلا وحياة كتاب الله ما هتعرف تخرج بالعربية دي حتة واحدة!». الشباب بدأوا يقربوا أكتر، وصوت الهمهمات زاد، طارق بصلي بنظرة كلها غل وحقد، نظرة بتقول إن الحكاية مش حكاية حب في نور، دي حكاية كسر مناخير وتصفية حسابات قديمة وتواطؤ قذر مع عصام عشان يذلوني. ركب عربيته ورزع الباب وراه وفتح الإزاز وصرخ:— «ماشي يا نجوى! عملالي فيها بطلة ومستقوية بالشارع؟ بكرة الصبح محضر عدم تنفيذ وهيجيلك أمين شرطة يكلبشك من قفاكي وهاخد البنت بالقوة الجبرية، ومش هخليكي تشوفي ضفرها لحد ما تمو. تي!». داس بنزين على آخره، والعربية سابت وراها سحابة دخان خانقة واختفت في أول الشارع. الناس اتنفست الصعداء، وأمي كانت بتترعش ومش قادرة تقف، وأنا كنت قاعدة في نص الشارع حاطة نور جوة هدومي، مش قادرة أفتح إيدي ولا أسيبها، كأن لو رخيت صوابعي ثانية واحدة الهوا نفسه هيخطفها مني. الجيران قربوا يحاولوا يقوموني، وستات الحارة جابوا مية بسكر لأمي، ونور كانت بتنهنه من العياط ووشها سخن مولع نار وشفافها زرقا تاني من الخضة. دخلت شقة أمي وسحبت رجليا ورايا، قفلت الباب بالترباسين وراه، وسندت ضهري على الخشب المتهالك واتزلقت على الأرض ونور في حضني. قعدت أعيط.. أعيط عياط السنين اللي كتمته، عياط القهر اللي ملوش آخر. بصيت لأمي اللي كانت قاعدة على الكنبة بتنهج وبتبصلي بعجز:— «هنعمل إيه يا نجوى؟ الراجل مش هيسكت، وطارق طول عمره عينه فارغة ومبيسبش حقه حتى لو كان باطل، وعصام شايط من وراه وهيصرف عليه عش