أملاك حمايا ١

حكايات زهرة

كنت ببلع الإهانة وأسكت، بس الموضوع بوخ قوي لما ابني الصغير، اللي عنده عشر سنين، دخل عليا المطبخ في يوم وهو بيبكي بالدموع. مسكت إيده بقلق: مالك يا حبيبي؟ فيه إيه؟
رد عليا بصوت باكي: هو جدي مش بيحبنا يا ماما؟ هو إحنا وحشين؟
قلبي اتوجع عليه قولتله: ليه بتقول كده يا بني؟
قال وهو بيمسح دموعه: ولاد عمي كلهم في الشارع وبيقولولي إن جدي بيكرهنا، وإنه هيديهم فلوس وعمارات لما يموت وإحنا مش هييدينا حاجة عشان إحنا مش زيهم.

ساعتها مسكت نفسي بالعافية وقلتله: عيب يا حبيبي، جدك عايش وربنا يديه طولة العمر، والكلام ده عيب ومينفعش يتقال، جدك بيحبنا كلنا.
سكتّه بالعافية، بس جوايا كان نار مولعة.. ليه يا حج تعمل فينا كده؟ ليه تجرح ابنك اللي مكنش بينام إلا لما يطمن عليك؟

ومكملش شهر.. والحج توفاه الله. يوم العزا، البيت كله كان مقلوب، بس محدش كان زعلان بجد ومن قلبه غير راضي جوزي. إخواته وسلايفي كانوا ماشيين في العزا وعينيهم بتلمع، مبسوطين بالورث الكنز اللي بقى في إيديهم رسمياً، ومستنيين يخلصوا أيام العزا عشان يقبضوا أول إيجار للعمارتين. وبعد أسبوعين من وفاته حصلت حاجة غريبة جداً.. حاجة خلت الصدمة تحل على الكل، وقتها بس فهمنا معنى كلام حمايا والسر اللي محدش اتخيله ولا حتى في الأحلام!!!

مر أسبوعين على وفاة الحج، وكان البيت هادي هدوء غريب يسبق العاصفة، لحد ما الباب خبط خبطات تقيلة ومنتظمة. فتح جوزي راضي، ولقى راجل لابس بدلة شيك وفي إيده شنطة جلد سودة، بص لراضي باحترام وقاله إنه الأستاذ مجدي، محامي الحج من سنين طويلة، وإن والده ساب أمانة مقفولة وممنوع تتفتح إلا بعد أسبوعين من الوفاة وبحضور الكل، راضي وإخوته وسلايفي كمان.

خلال نص ساعة، كانت الصالة مليانة. عادل الكبير قاعد حاطط رجل على رجل والغرور مالي وشه، ماسك مفاتيح عمارته وبيلفها في صباعه، وتامر مراته جنبه عمالة تتهامس معاه بفرحة وتعد على صوابعها مكاسب الإيجارات اللي هيلموها أول الشهر، وسلايفي باصينلي بنفس نظرة الشماتة والتعالي، كأن وجودي أنا وراضي مجرد حضور شرفي لناس انكسرت خواطرها.

المحامي قعد بكل هدوء، فتح الشنطة وطلع منها ملف أبيض وعلبة خشب قديمة مقفولة بقفل صغير، وقال بنبرة جادة وصوته مسموع للكل: الحج الله يرحمه كتب كل حاجة في وصية واضحة قبل ما يتوفى، والنهاردة الميعاد القانوني لتنفيذ الشق التاني من ترتيباته.
عادل ضحك باستهزاء وقال للمحامي: شق تاني إيه يا متر؟ الحج الله يرحمه وزّع العمارتين علينا أنا وتامر بعقود رسمية في حياته، ومفضلش غير شوية الكراكيب اللي في الشقة هنا، وأظن إحنا مسامحين فيهم لراضي عشان منكسرس بخاطره.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *