بصيت في عيونهم المكسورة، العيون اللي كانت من دقايق بتطق شرار وتعايرني بفقري، وسكت ثواني أخليهم يدوقوا طعم الانتظار المر، وبعدها اتكلمت بنبرة هادية وقاطعة: «شرطي مش فلوس، شرطي حق ابني اللي اتكسر قلبه، وكرامة راضي اللي داستوا عليها بالسنين. إنتوا الاتنين، بسلايفكم، هتنزلوا الشارع وتجمعوا ولادكم قدام عمارة العيلة، وتعتذروا لابني قدام عيالكم كلهم، وتقولولهم إن راضي وأمه مش شحاتين، وإن لولا راضي وسحر كان زمانكم بتشحتوا في الشوارع ورجالتكم في السجـ،،وُن. ومش بس كده..كل مليم طلع من إيجار العماير دي من يوم وفـ,ـاة الحاج يرجع في خزنته، والتنازل عن نص العماير يتكتب دلوقتي حالا في وجود المتر، وإدارة العمارتين بالكامل تكون لراضي من الألف للياء، إنتوا ملكوش غير نصيبكم الصافي بعد ما راضي يخصم مصاريفه، ومحدش فيكم يرفع عينه في وشنا تاني!». سلفتي الكبيرة فتحت بقها تعترض والدم غلي في عروقها: «ننزل نعتذر لعيّل صغير قدام عيالنا؟ ! دي إهانة وكسرة نفس منرضاش بيها!». قربت منها خطوة واحدة، وبصيت في عينيها بمنتهى القوة وقولت: «إهانة؟! طب ما إنتي هنتيني وهنتي ضنايا لما خليتيه يدخل عليا يعيط ويسألني جده بيكرهه ليه! الباب أهو يا حبيبتي، والبنك معاده بعد أسبوعين، وروني بقى هتدفعوا ملايين الدْ،،يـ،ـوْن إزاي من غير إهانة ولا سجـ،،ن». عادل اتعصب على مراته وزعق فيها بصوت رج الحيطان: «اخرسي إنتي خالص! مش كفاية لسانك اللي ودانا في ستين داهـ،،يـ،ـه من الأول؟! إحنا موافقين يا سحر، موافقين على كل حرف قولتيه!». وتامر هز راسه برعب وهو ماسك في دراع راضي: «موافقين يا خوي، حقك فوق راسنا، المهم نخلص من الكابوس ده». المحامي طلع أوراق التنازل والعقود المشروطة اللي كان مجهزها بتوجيهات الحاج، وحطها على الترابيزة. عادل مضى بإيد بتترعش كأنه بيمضي على وثيقة استسلامه، وتامر مضى وراه والدموع في عينيه. وفي نفس الليلة، نزلوا قدام مدخل البيت، وجمعوا العيال، وعادل وقف قدام ابني يوسف وهو باصص في الأرض، وباس راسه وقاله قدام عياله وسلايفي: «حقك علينا يا بني. . أبوك راجل سيد الناس، وعمره ما كان قليل، وإحنا اللي كنا غلطانين في حقكم». ابني بصلي وعينيه بتلمع بانتصار طفولي نظيف، ومسك في إيد أبوه اللي حس لأول مرة إن ظهره اتفرد وراسه اترفعت في السما. تاني يوم الصبح، راح راضي مع المحامي وباعوا جزء بسيط جداً من طرف الأرض الزراعية لمستثمر كبير، وسددوا كل ديون البنوك بالكامل، وفضل الجزء الأكبر والأغلى من الأرض ملك خالص ليا ولراضي، وبقى نصيبنا في العمارتين متسجل رسمي وشرعي وراضي هو المدير الوحيد لكل مليم داخل وخارج. مرت تلات أسابيع، والوضع في البيت اتقلب تماماً. سلايفي بقوا يتجنبوا يتقابلوا معايا في المدخل، ولو الصدفة جمعتنا تلاقيهم يوطوا راسهم في الأرض ويسلموا بصوت واطي وأدب مصطنع خوفاً من إن راضي يضيق عليهم في حسابات الإيجار. راضي كان مرتاح، وشايل هم إخواته برضه عشان أصله طيب، وبدأ يرتب أموره عشان يفتح مشروع كبير على باقي قطعة الأرض اللي فضلت معانا. لكن الغل والحقد لما بيتعشش في نفوس اتعودت على الطمع مابيمـ,ـوتش بالسهولة دي. عادل وتامر كانوا بيتقابلوا في السر على قهوة بعيدة عن المنطقة، والسم بياكل في قلوبهم.. إزاي الأخ الصغير اللي كانوا بيعتبروه هوا، بقى هو السيد وصاحب الكلمة الكبيرة على نص العماير والأرض اللي تسوى ملايين؟ وفي ليلة مطرة وعواصف، والساعة عدت اتنين بعد نص الليل، صحينا على صوت سارينة عربيات مطافي مفزعة، وصريخ جاي من ناحية الطريق الزراعي، وتليفون راضي رن برقم خفير الأرض وهو بيصرخ بهيستيريا: «الحق يا أستاذ راضي! ! الأرض والمخازن اللي بنيناها عليها والعربيات اللي هناك بتولع كلها.. وفيه ملثمين حاطين بنزين وبيهربوا!». راضي اتنفض من السرير، وجري على الباب وهو بيلبس هدومه بهستيريا، بس أول ما فتح باب الشقة عشان ينزل، اتفاجئ بوجود حد واقف قدام الباب في الضلمة، حد ماسك في إيده حاجة لمعت في نور السلم، وخلى الدم يتجمد في عروقنا إحنا الاتنين! الشخص اللي كان واقف في عتمة السلم، ماسك في إيده ساطور تقيل بيلمع تحت نور اللمبة الصفرا، كان عم صابر. راضي اتنفض من السرير، وجري على الباب وهو بيلبس هدومه بهستيريا، بس أول ما فتح باب الشقة عشان ينزل، اتفاجئ بوجود حد واقف قدام الباب في الضلمة، حد ماسك في إيده حاجة لمعت في نور السلم، وخلى الدم يتجمد في عروقنا إحنا الاتنين! الشخص اللي كان واقف في عتمة السلم، ماسك في إيده ساطور تقيل بيلمع تحت نور اللمبة الصفرا، كان عم صابر.. الراجل العجوز اللي شغال بواب للعمارة من أكتر من عشرين سنة، هدومه كانت مبلولة من المطرة ووشه شاحب زي المـ,ـوتـ،،ى، وجسمه كله بينتفض برعشة مش طبيعية. أول ما راضي شهق ورجع خطوة لورا، عم صابر رمى الساطور على الأرض بصوت رنة حديد فزعت البيت كله، وانحنى على ركبته ومسك في رجل راضي وهو بينتحب بصوت مكتوم: «الحق يا أستاذ راضي.. أقسم بالله العظيم ما كان قصدي، هما اللي غصبوني وضحكوا عليا وهددوني بلقمة عيشي وعيالي!». راضي مسكه من كتافه وقوّمه وهو مصدوم ومخه مشتت بين صوت سارينات المطافي اللي مسموعة من بعيد وبين المنظر اللي قدامه: «عم صابر! في إيه؟ فهمني إيه اللي بيحصل وإيه حكاية النار اللي والعة في الأرض؟ !». عم صابر بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت بيتقطع من الخوف: «أخوك الأستاذ عادل والأستاذ تامر.. بقالهم أسبوع بيخططوا.. استغلوا إن الليلة مطرة وعاصفة ومحدش في الشوارع، وجابوا تلاتة بـ،،لـ،ـطـ،،جـ،،يـ،ـة من ورا الموقف بالاتفاق مع خفير الأرض التاني الخائـ،،ن، دفعولهم فلوس عشان يولعوا في المخازن ومعدات البنا اللي نزلتوها أول إمبارح، عشان يخسروكم كل مليم جمعتوه من تسوية الديون وتبقوا مديونين للشركات التانية وتضطروا تبيعوا باقي الأرض بتراب الفلوس.. وعادل بيه إداني السـ,ـاطور ده وقالي أقف بيه قدام باب شقتكم عشان أمنعك تنزل، وقالي لو فكر يخرج اهجـ,ـم عليه وخوفه واحبسه جوه لحد ما كل حاجة في الأرض تتحول لرماد. . بس والله يا ابني ما هان عليا، أبوكم الله يرحمه كان ستر وغطا عليا، وإنت عمرك ما أذيتني، ضميري صحي وما قدرتش أعملها!». أنا كنت واقفة ورا راضي متسمرة مكاني، قلبي كان بيضـ,ـرب في صدري زي الطبلة، الغـ,ـدر لما بييجي من القريب بيكون طعنته أشد من أي نار. راضي عروق وشه وجبينه اتنفخوا بغضب عمري ما شفته في حياته كلها، الهدوء والطيبة اللي عاش بيهم سنين اتبخروا في ثانية، زق عم صابر براحة وقاله بحسم: «خليك هنا يا عم صابر وماتتحركش من باب الشقة». جريت وراه ومسكت في إيده وأنا بصرخ بدموعي: «راضي! بلاش تروح لوحدك، دول ناس بايعين نفسهم ومش هيترددوا يقـ،،تـ،ـلـ،،وك، كلم الشرطة الأول يا راضي!». راضي بصلي بنظرة مشتعلة، نظرة راجل حس إن عرضه وماله وحياته كلها بتنداس، مسك إيدي جامد وقال بصوت هادي يرعب أكتر من الصراخ: «الشرطة هتاخد وقت في المطرة دي يا سحر، ولو النـ,ـار كلت المعدات دي إحنا هنبقى في الشارع رسمياً.. والمحامي كان عامل حساب لكل ده، اتصلي بالمتر مجدي وقوليله ينفذ البند السري فوراً ويبعت التسجيلات للمباحث!». نزل راضي على السلم زي الإعصار، وأنا دخلت أجري على التليفون، إيدي بتترعش ومش شايفة الأرقام من كتر الدموع، اتصلت بالمتر مجدي، وأول ما سمع كلامي صوته كان جبل من الثبات وقالي: «متخافيش يا مدام سحر، الحاج الله يرحمه كان دارس عياله واحد واحد، ومكنش بيسيب حاجة للصدفة.. الكاميرات الخفية اللي ركبناها على أسوار الأرض الزراعية من أسبوعين متوصلة بسيرفر مباشر مع مباحث الاتصالات وقسم الشرطة، وعادل وتامر متصورين صوت وصورة وهما بيدوا البنزين للبلطجية.. خليكي في شقتك وقفلي على نفسك وابنك، وأنا رايح على هناك بالقوة الأمنية دلوقتي!». في نفس الوقت، راضي و المصدر: منصه بوف نيوز — https://story2034.zbuef.online/article/4480