أخو جوزي حكايات روماني مكرم ١

— “أنا مش جاي عشان ليلي يا هناء.. أنا جاي عشانك إنتي. محمود بعيد، والبعيد عن العين بعيد عن القلب.. وإنتي هنا لوحدك، ومحتاجة اللي ياخد باله منك.. ومن الشقة.”
في اللحظة دي، سمعت صوت حركة غريبة جاية من المنور، وصوت خبط مكتوم على باب الشقة البراني.. كأن فيه حد تاني كان مراقب علاء وهو طالع!
**تجمدت الدماء في عروقي وأنا أوزع نظراتي بين علاء** اللي قاعد ببرود قـ،،تـــ،ـل، وبين الباب اللي بيخبط خبط مكتوم كأن اللي وراه بيحذر مش بيستأذن. ابتسامة علاء الباردة بدأت تتلاشى تدريجياً، وعينيه لمعت بتوتر مفاجئ وهو بيبص ناحية الصالة، لكنه فضل متماسك ومتحركش من مكانه.
— “مين اللي برة في وقت زي ده؟” همست بصوت مخنوق وأنا بحاول أستجمع أي ذرة شجاعة، وخطوت خطوة لورا مسكت فيها حرف الرخامة بقبضة إيدي لحد ما ضوافيري وجعتني. علاء وقف ببطء، وحط صباعه على شفايفه بإشارة حازمة إني أسكت، وقرب من الصالة بخطوات حذرة مفيهاش أي حس، كأنه لص بيتحرك في عتمة البيت.
في اللحظة دي صوت الخبط اللي على الباب اتكرر، بس المرة دي كان معاه صوت نفس عالي ومتقطع بيتردد من فتحة التهوية بتاعة المنور اللي واصلة للمطبخ والحمام.. حد مش بس على الباب، ده في حد تاني كان مستخبي في المنور وبيراقب المشهد من ورا الشيش السلك!
الرعب شل حركتي، لكن غريزة الأم خلت عيني تروح فوراً على أوضة نوم بنتي ليلي. الباب كان موارب، والإضاءة الخافتة للوناسة اللي جوة مبيّنة ملايتها الوردية. خفت تصرخ أو تصحى على الكابوس ده. علاء مد إيده وفتح الباب بحركة مفاجئة ومباغتة، لكن الصدمة كانت إن مفيش حد واقف على البسطة! السلم كان غرقان في ضلمة كاحلة، ومفيش غير نقط مية نازلة من درابزين السلم ومصورة المطر بتنقط بإيقاع رتيب يخوف.
— “مفيش حد.. بيتهيألك يا هناء، ده الهوا اللي بيخبط في الباب الخارجي بتاع السطح.” قالها علاء وهو بيلف وشه ليّ، بس عروق رقبته المشدودة ونظراته الزايغة كانت بتكذب كلامه. هو نفسه كان عارف إن الصوت ده مش صوت ريح ولا مطر. قفل الباب ورجع خطوتين ناحيتي، وحسيت إن الخوف بيتحول لجبروت جواه عشان يداري على قلقه.
— “كنا بنقول إيه بقى؟.. متخليش حاجة تشغلك عن كلامنا، أنا وأنتي لازم نصفي الحسابات دي الليلة، ومحمود أخويا مش هيدرى بحاجة، ومصلحتك ومصلحة بنتك هنا في البيت ده تحت جناحي، إنتي فاهمة البيت ده بيمشي إزاي وكلمة مين اللي بتمشي على الكل لو أبويا حصله حاجة.”
في اللحظة دي، شفت في عينيه راجل تاني خالص غير الأخ اللي كان بيسافر يوصلنا المحطة، غير العم اللي كان بيجيب لليلي شيكولاتة. شفت ذئب مستني الفرصة من شهور طويلة، مستغل غياب أخوه وغربته وقِلة حيلتي كواحدة ملهاش ضهر في البيت ده بعد ما أهلي اتوفوا.




