حماتي حكايات زهرة ٢

سامح وقف مبهوت يبتص لأمه وهي واقفة بطولها على حيلها، صحتها أجدع من صحتنا إحنا الاتنين، مفيش حشرجة، مفيش خنقة، ومفيش إيد بتترعش!
نعيمة أدركت في لحظة إنها وقعت في الفخ، وأن قفزتها دي كشفت الدور كله، فبدأت تلف وتدور في المكان وعينيها بتروح وتيجي بغضب ورعب. حاولت تلم الموقف وسندت على إيد الكنبة بسرعة ورجعت توطي صوتها وتتظاهر بالضعف: “آه يا ضهري.. أنا.. أنا قمت من خوفي منك يا نيرة! أنتِ اتجننتي؟ جايبالي ماية بملح وعايزة تشرحي رقبتي بمشرط؟ أنتِ ناوية على قتلي ولا إيه يا سامح؟ شوف مرتك بتخوفني إزاي!”
سكتت لحظة، وبعدين كملت نبرة المسكنة اللي متعودة عليها: “وبعدين أنا.. أنا قلبي مقبوض من ريحة البرتقال، بس جسمي قاوم لما اتخضيت! الحساسية بتيجي وتروح، إيه الغريب في كده؟”
سامح بص لأمه، وبعدين بصلي. ملامحه كانت متلخبطة بين الشك اللي بدأ يدخل قلبه وبين الطاعة الأعمى اللي اتربى عليها.
أنا مديتلهوش فرصة يفكر أو يبرر لها. قربت من حماتي بملامح حادة جداً وابتسامة باردة الثقة، وقلت بصوت حاسم هز الصالة: “لا يا طنط.. الحساسية المفرطة Respiratory Anaphylaxis مابتروحش بلمسة سحر ولا بخضة! دي حالة لو جت بجد، صاحبها بيبصق دم وينتَفِخ لسانه ويرمي جثته على الأرض! حركة حضرتك الناشطة دي وصوتك اللي زي الرعد يثبتوا حاجة من اتنين: يا إما ربنا وهبك شفاء إعجازي في ثانية، يا إما الحساسية دي معندكيش منها غير اسم بس، بتظهر بس لما كيس البرتقال أكون أنا اللي شايلاه!”
نعيمة أوشكت تتجنن، وشها احمر وزعقت في وشي: “أنتِ بتقولي إيه يا جليلة الحيا؟ أنتِ بتكذبيني في بيتي وقدم ابني؟”
سامح اتدخل وصوته ملفت: “نيرة! الزمي حدودك! مهما كان دي أمي برضه وما ينفعش تتكلمي معاها كده!”
بصيت لسامح بكل برود وطلعت تليفوني من جيبي. فتحت المسجل ودست تشغيل، وصوت المكالمة اللي كنت لسه عاملاها طلع عالي في الصالة. الصوت ما كانش صوت الإسعاف خالص.. كان صوت صديقتي “هبة” وهي بتضحك وبتقول: “إيه يا نيرة؟ كل ده تمثيلية؟ أنتِ مسجلة المكالمة ولا إيه؟”
سامح اتصدم، عينيه اتوسعت وهو بيسمع التسجيل وفهم إن كل رعب الإسعاف والمشرط والعزل كان مجرد مسرحية أنا طبختها في دقيقتين عشان أطلع أمه على حقيقتها.
سامح بصلي بصدمة وقال: “أنتِ.. أنتِ كنتِ بتشتغلينا؟”
رديت بثبات: “أنا مابشتغلش حد يا سامح. أنا بس حبيت أوريك المريض الفعلي في البيت ده مين! أمك مش عيانة بحساسية البرتقال ولا شعر القطط ولا الملايات.. أمك عندها حساسية مني أنا! من وجودي، من قراراتي، ومن أي حاجة بشتريها بفلوسي أو بتدخل البيت بإيدي!”
نعيمة لما لقيت الكارت الأخير اتكشف، ما استسلمتش. بدل ما تتكسف، تحولت للهجوم الصريح. سابت المسكنة خالص، ووقفت بصلابة، وقالت بصوت مليان غل: “أيوة يا نيرة! أيوة مش طايقاكي ولا طايقة حاجتك! عايشة معايا في بيتي وبتحكمي وتسرحي، وكل ما تجيبي حاجة بتبقي عايزة تحسي إنك صاحبة البيت! أنا أم سامح، الكلمة كلمتي والحاجة اللي تقعد في البيت دي بأمري أنا! البرتقال اللي تجيبيه القرف بيبقى طالع منه، لكن البرتقال اللي ابن حبيبي يجيبه بيبقى سكر على قلبي! القط اللي جيبتيه كان يقرفني وميطبش بيتي، لكن القطة اللي جابها ابني تقعد في حضني! عندك مانع؟”



