حماتي حكايات زهرة ٢

تاني يوم الصبح، طلعت من الأوضة بدري عشان أجهز نفسي للنزول للشغل. الصالة كانت هادية، ونعيمة كانت قاعدة على الكنبة مطأطأة رأسها، ولابسة طرحتها كأنها مستنية المحاكمة. أول ما شافتني طالعة، ما رفعتش عينها في عيني ولا نطقت بحرف، مفيش “شيلي القرف ده”، مفيش حشرجة، ومفيش تمسكن. كانت ساكتة تماماً كأن القناع اللي كانت لابساه اتخلع ومش عارفة تتصرف إزاي من غيره.
سامح كان قاعد في المطبخ بيشرب قهوة، وشه كان باهت وتحت عينيه سواد يبين إنه مانامش طول الليل. أول ما شافني، وقف وقال بصوت هادي ومكسور: “صباح الخير يا نيرة.”
رديت بجمود: “صباح النور.”
قرب مني خطوة، وقرب إيده كأنه عايز يمسك إيدي بس تردد ورجعها تاني: “أنا مانامتش طول الليل وأنا بفكر في كل كلمة اتقالت البارحة.. وفي كل اللي فات. أنا حاسس إني كنت أعمى، حاسس إني ظلمتك ظلم كبير أوي يا نيرة.. على مدار سنين وأنا شايفك أنتِ القاسية وأمي هي الضحية.. مسكتش مرة واحدة وأسأل نفسي ليه الحساسية دي مبتظهرش غير معاكي أنتِ بالذات.”
سكت شوية وبلع ريقه وصوته اتهز: “حقك عليا في كل دمعة نزلت منك.. حقك عليا في سمسم القط اللي حرمتك منه وبكيتِ عليه سنين.. أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أصلح اللخبطة دي وعشان تسامحيني.”
بصيت في عينيه بثبات وقلتله: “الأسف ما بيرجعش اللي راح يا سامح، وما بيمسحش قهرة السنين. بس لو فعلاً عايز تبدأ صفحة جديدة، لازم تعرف إن البيت ده من النهاردة ليه نظام تاني خالص. أمك على راسي كست كبيرة، هحترمها وهخدمها لو تعبت بجد، لكن شغل التحكمات والمسرحيات والرخص ده انتهى للابد. أي حاجة تدخل البيت هتدخل، وأي قرار يتاخد في بيتي هتاخده معايا مش معاها.”
سامح هز رأسه بسرعة ومن غير تردد: “موافق.. موافق على كل اللي تقوليه. من النهاردة محدش هيدخل في حياتنا، وأمي أنا هقعد معاها وأفهمها الحدود دي كويس جداً.”
نزلت الشغل وأنا حاسة إن الهيبة رجعتلي. وعلى مدار الأيام اللي بعدها، بدأت أطبق خطتي بهدوء وبدون استفزاز.
دخلت البيت بسجاد جديد، فرشته في الصالة قدام عين نعيمة. وقفت تتفرج عليا وهي بلعانة لسانها، ولا فتحت بقها ولا قالت “جسمي بأكلني” ولا “الموكيت بيخنقني”.
وبعدها بأيام، غيرت ملايات السرير في أوضتها بملايات من اللي كانت بتقول إنها بتعملها بقع وتحسس جلد. نامت عليها ورجليها فوق رقبتها من غير ما تنطق بكلمة واحدة!
حتى الأكل، بقيت أنزل أجيب الخضار والفاكهة بنفسي، وأحط البرتقال والورد في نص الصالة، وكانت تقعد جنبهم تتفرج على التلفزيون وتشرط الفاكهة وتأكل منها وهي ساكتة تماماً، كأن جين الحساسية ده اتمسح من DNA بتاعها في ليلة وضحاها!
سامح كان بيتفرج على التحول ده وهو مصدوم من نفسه إزاي كان مغفل طول السنين دي ومصدق المسرحية الهابطة دي. معاملته معايا اتغيرت 180 درجة، بقى يحاول يرضيني بأي طريقة، ويبعد أمه عن أي احتكاك بيا.




