حصاد الغدر منى السيد ٢

الفصل الثاني: حكايات مني السيد حصري. الهواء في صالة الشقة كان أتقل من جبل حديد، وريحة التوتر خانقة كأن في أنبوبة غاز مفتوحة ومستنية شرارة. كلمة المحامي بلاغ في قسم الشرطة بالاستيلاء على أموال وخيانة أمانة نزلت على دماغ طارق زي قالب طوب مكسور، عروق رقبته نفرت، وبقى وشه يقلب من الأصفر للاحتقان المكتوم، ولسانه شغال يبلع في ريقه الناشف بالعافية.

أمه، الحاجة فتحية، أول ما حست إن المركب بتغرق وإن الحسبة قلبت جد، تبخرت من وشها ابتسامة الفخر والفشخرة، وبدلت جلدها في ثانية كعادة الستات اللي حافظة فنون المسكنة لحد ما تتمكن. رفعت إيديها الاتنين على خدودها وقالت بلوعة: يا وقعة طينة سودة! شرطة إيه وبلاغات إيه يا أستاذ أنت؟! أنتم هتعملوا فينا فيلم عربي على الصبح؟ إحنا ناس محترمين وأولاد أصول، وابني دخل البيت ده من بابه بكرامته! نيرة… يا بتي، عيب الكلام ده، بقى تدخلي الغرباء بينك وبين جوزك في أول يوم ليكي مع بناتك؟ ده حتى ضفر بنتك الصغير برقبة الدنيا بحالها!

نيرة ما رمتش عليها حتى نظرة عطف، كانت ساندة كتفها على عضادة باب المطبخ، حاطة إيد على بطنها المشدودة بالحزام الطبي، ونبرة صوتها طالعة من قاع بير متلج: الأصول أنتي نسيتيها من زمان يا حماتي… من يوم ما وقفتي تتفشخري عليا بالجبنة الرومي وأنا رجلي مش شيلاني من ألم النفاس. والراجل اللي بتتكلمي عليه ده مابقاش غريب، ده أبويا اللي شقيتي من فلوسه، ودول إخواتي اللي طارق كان بيقفل بابه في وشهم ويقولهم معندناش وقت للزيارات.

أحمد خطى خطوة واسعة، وصوته الجهوري رن في الصالة: خلصنا من جو الندب ده! النص ساعة بتعدي. أستاذ وحيد، فكّرهم بالباقي عشان شكلهم فاكرين الحكاية تلاجة وبس.

الأستاذ وحيد قعد على كرسي السفرة، فرد رجليه بأريحية وفتح نوتة جلد سودا كان كاتب فيها تفاصيل بالتواريخ والأرقام، وبص لطارق اللي كان واقف مسمر مكانه بيفرك في صوابعه: أستاذ طارق، أنت شغال محاسب في شركة مقاولات صغيرة، ومرتبك مبيكملش عشرة آلاف جنيه في أحسن حالاته، صح؟
طارق جز على سنانه ورد بنرفزة: مرتبي وحياتي الشخصية ملكش دعوة بيها! أنت بتستجوبني بصفتك إيه في شقتي؟
المحامي ابتسم بسخرية هادية: بصفتي وكيل رسمي عن الحاج عبد الحميد ومدام نيرة. مرتبك يخصك لوحدك، بس لما يكون حساب نيرة في البنك الأهلي اللي أنت مضاف عليه بحق السحب والإيداع فقط لإدارة مصاريف العيادات والتحاليل اتسحب منه على مدار التلات شهور اللي فاتوا ربع مليون جنيه كاش، يبقى ده صميم شغلنا وشغل النيابة كمان ساعة لو حبيت.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *