بنت مرات بابا وجوزها أماني السيد ٣

قلت له: ـ أنا كنت محتاجة أسمع الكلام ده من سنين يا بابا. كنت محتاجة أحس إنك شايفني، وإنك فاهم أنا اتوجعت قد إيه. بس أنا مش عايزة أفضل ألومك طول عمري، ولا عايزة أعيش بقية حياتي وأنا بحاول أعوض طفولتي بالانتقام من غيري.
بابا مد إيده ومسك إيدي وقال: ـ حقك عليا.
بصيت لماما، لقيتها بتبتسم بهدوء.
سألتها: ـ إنتِ سامحتيه يا ماما؟
ماما بصت لبابا، وبعدها ردت: ـ أنا قررت ما أعيشّش بقية عمري أسيرة للي فات. لكن ده مش معناه إن اللي حصل كان صح، ولا إن الاعتذار يمسح السنين. المسامحة حاجة، وإن الواحد يسمح بتكرار نفس الوجع حاجة تانية.
هزيت راسي، وفهمت قصدها.
ماما ما كانتش بتقول إن كل حاجة رجعت زي الأول، لكنها كانت بتقول إنها مش هتسيب الماضي يسرق منها عمرها اللي باقي.
بعد ما خرجنا من عند بابا، مشيت أنا وماما في الشارع شوية.
كنت ماسكة إيدها، زي ما كنت بعمل وأنا صغيرة، وفجأة وقفت وقلت لها: ـ ماما، أنا آسفة إني خليت وجعك سبب في وجع ناس تانية.
ماما بصت لي وقالت: ـ المهم إنك فهمتي يا بنتي. أنا عمري ما كنت عايزاكي تنتقمي لي، أنا كنت عايزاكي تبقي أقوى من اللي حصل لنا.
سألتها: ـ طب لو رجع الزمن، كنتِ هتعملي إيه؟
ابتسمت وقالت: ـ كنت هحاول أحافظ على نفسي أكتر، وأطلب حقي من غير ما أضيع عمري في الانتظار. لكن الزمن ما بيرجعش، وإحنا نقدر نتعلم من اللي فات عشان ما نكرروش.
حضنتها بقوة، وقلت: ـ أنا بحبك يا ماما.
ردت: ـ وأنا بحبك يا نور عيني.
في اللحظة دي، حسيت إن فيه حمل كبير اتشال من على قلبي.
مش لأن كل المشاكل اتحلت، ولا لأن كل الناس اعتذرت، لكن لأنني بطلت أستنى من الماضي إنه يرجع لي حاجات ضاعت.
عدت شهور، وبدأت حياتي تتغير.
ركزت في شغلي، وبدأت أوفر فلوسي، وأخطط لمستقبلي بعيدًا عن أي شخص كنت بحاول أكسب رضاه أو أثبت له حاجة.
بقيت أزور ماما باستمرار، ونخرج سوا، ونعوض بعض عن الأيام اللي فاتت على قد ما نقدر.
وبابا بدأ يحاول يصلح علاقته بيا بالأفعال، مش بالكلام بس. بقى يسأل عني، ويهتم بشغلي، ويسمعني لما أتكلم، ويحاول يعوض جزءًا من غيابه، رغم إننا كلنا عارفين إن فيه سنين عمرها ما هترجع.
أما سمر، فبقيت أسمع عنها من وقت للتاني، وأتمنى لها الخير من غير ما أقارن حياتها بحياتي.
وأدهم؟




