12 سنة روماني مكرم 2

أخرج هاتفه وضغط على رقمها بيد مرتجفة. رن الهاتف طويلاً حتى كاد ييأس، قبل أن يأتيه صوتها هادئاً، بارداً، ونقياً كعادتها، دون أي أثر للاضطراب: “أيوة يا مدحت.”
ابتلع ريقه وتحدث بنبرة متكسرة لم تعهدها منه طوال 12 سنة: “ريهام.. أنا أسف. بوس إيدك ارحمي أمي، الست كبِرت وتعبانة ومش حمل حجز وبهدلة أقسام. أبوس رجلك تنازلي عن المحضر، وأنا مستعد أعملك كل اللي إنتي عاوزاه.”
جاءت ضحكة ريهام عبر الهاتف خافتة لكنها حملت كل معاني السخرية: “تعبانة؟ وكبيرة؟ وهي مكنتش تعبانة وكبيرة وهي جاية تشتمني وتتهمني في شرفي وشغلي قدام الموظفين والعملاء؟ مكنتش تعبانة وهي بتطلب مني أسيب شقتي عشان تقعد فيها عروستك الجديدة؟ القانون يا مدحت مبيعرفش أمك وأمي، القانون بيعرف الحق، وأمك غلطت ولازم تدفع تمن غلطتها.”
بكى مدحت علناً في الشارع وقال: “طيب وأنا؟ أنا بيتي بيتهد يا ريهام. حمايا عرف إن الشقة مش ملكي وطالب العقد الأزرق بكرة، لو مرحتش هيفركشوا الجوازة وهيفضحوني ويضيعوا شقا عمري في الشبكة والمصاريف اللي استلفتها.. أرجوكي يا ريهام، عشان خاطر الـ 12 سنة اللي عشناهم مع بعض.”
قاطعتها ريهام بنبرة حاسمة كالسيف: “العشرة دي إنت اللي دبحها بإيدك يا مدحت. عاوز أمك تخرج؟ وعاوز تداري فضيحتك قدام أهل علا؟”
صاح بلهفة: “أيوة.. أيوة يا ريهام، أي شرط أنا موافق عليه!”
قالت برود: “تمن خروج أمك من الحجز، وتمن إني أديك صورة من عقد الشقة القديم المكتوب فيه اسمك قبل ما نغيره في الشهر العقاري عشان توريها لحماك وتثبتله إن الشقة كانت بتاعتك.. التمن ده هو (الطلاق). بكرة الصبح المحامي بتاعي هيستناك عند المأذون، تطلقني إبراء كامل، وتسيبلي كل مؤخري وحقوقي الشرعية اللي هكتبها في ورقة، وكمان تمضي على إقرار بالتنازل عن أي منقولات أو متعلقات ليك في الشقة. تعمل ده.. أمك تخرج في نفس الساعة، وتداري فضيحتك قدام ناسك الجداد. فكر وقرر.. قدامك ساعتين بالظبط، لأن النيابة هتفتح المحضر الساعة عشرة.”
أغلقت ريهام الخط قبل أن ينطق بكلمة. سقط مدحت على ركبتيه في الشارع. المقايضة كانت قاسية ومدمرة لكبريائه؛ الطلاق والتنازل عن كل شيء مقابل حريّة أمه وإنقاذ مظهره الزائف أمام عائلة علا.
لم يكن أمامه خيار آخر. اتصل بالمحامي الخاص به، والذي أكد له أن موقف والدته القانوني سيئ جداً وقد تواجه حبساً مع غرامة مالية ضخمة إن لم تتنازل ريهام. وفي تمام الساعة التاسعة والنصف، كان مدحت يقف أمام مكتب المأذون الشرعي، ووجهه مسودّ وعيناه غائرتان.




