مراتي كانت بتطبخ حكايات بسمة 2

وصلت الغردقة، والبحر كان قدامي واسع، بس قلبي كان أضيق من خرم الإبرة وأنا بدور في المطاعم على “هدى”.. الست اللي ضيعتها بغبائي، والرحلة لسة بتبدأ.
أيام الغردقة كانت بتمر عليا وكأنها سنين. كل يوم كنت بنزل من الصبح، ألف على المطاعم والفنادق، أسأل عن هدى.. الست اللي ملامحها الطيبة وصوتها وهما بيختفوا من حياتي كانوا أكبر عقاب ليا.
الناس هناك كانوا بيبصوا لواحد شايل في عينه كسرة وندم، ومعاه صورة قديمة ليها وهي واقفة قدام فرن العيش في بيتنا القديم، إيديها متغطية بالدقيق بس ضحكتها كانت مالية الوش. كل ما حد يقول لي “ما شفناش حد بالمواصفات دي”، كان قلبي بيتقبض، بس كلام أبويا شاكر كان بيرن في ودني: *”اللي بيحب بجد، مبيملش من التدوير”*.
بعد شهر ونص من اللف والتعب، دخلت مطعم سياحي كبير على الممشى. سألت مدير الصالة كالعادة ووريته الصورة. الراجل بص فيها شوية وقال لي:
— أيوة.. الأسطى هدى شغال معانا هنا في المطبخ الشرقي. بس هي مابتشامش حد وهي شغال، وممنوع الزيارات.
دقات قلبي سرعت لدرجة حسيت إنها هتطلع من صدري. قعدت على طربيزة في ركن بعيد، وقلت له:
— أنا مش هعمل مشاكل، أنا جوزها.. قصدي كنت جوزها، وهستناها لحد ما تخلص شفتها، بس أرجوك ما تقولهاش إني هنا عشان ماتمشيش.
قعدت ساعات، الساعات كانت بتمر كأنها دهور. وكل ما باب المطبخ يتفتح ويطلع منه ويدخل وويتر، كنت أشرئب برقبتي عشان ألمحها. وأخيراً، الساعة دقت واحدة بعد نص الليل. زباين المطعم مشيوا، والأنوار بدأت تخفت.
وفجأة.. الباب اتفتح، وخرجت هدى. كانت لابسة لبس الشغل الأبيض، لامة شعرها، وعلى وشها علامات إرهاق وتعب فكرتني بأيام شقتنا.. الشقة اللي اتهدت فوق دماغي ودماغ الكل.
وقفت من مكاني، ورجليا مكانتش شيلاني. مشيت خطوتين ناحيتها وناديت بصوت مخنوق:
— هدى..
هي اتسمرت في مكانها. الصوت مكانش غريب عليها. لفت ببطء، وأول ما عينيها جت في عيني، شفت صدمة ووجع، وبعدين ملامحها اتحولت لجمود تام. سحبت شنطتها وقالت بنبرة حادة وناشفة:
— إنت إيه اللي جابك هنا يا محمود؟ وعايز مني إيه تاني؟ مش كل حاجة خلصت؟
قربت منها وأنا بمد إيدي كأني بستنجد بيها:
— هدى، أنا مبقتش محمود.. أنا مبقاش ليا علاقة بالناس دول. أنا جيت أقولك إني عرفت كل حاجة، عرفت إنك كنتِ بتحميني، وإنك كنتِ بتشيلي عني كابوس كان هيقضي عليا. أنا بعت الشقة، وأمي وبنت خالتها خسروا كل حاجة، والتسجيلات وودتهم في داهية.. أنا جيت أقولك إني ندمان، ندمان لدرجة الموت يا هدى.




