غويشة دهب بقلم نرمين عادل همام 1

في اللحظة دي بالذات، في حتة تانية جوايا اتكسرت وطلعت صوت مسموع.. حتة مفيش تسييح زبدة ولا لملمة هتعرف تداويها تاني. كنت لسه خايفة، وجسمي كله بيرتعش، والدوخة وعمايل الشهر الخامس مخلية عيني مغلغلة.. والجرح في دراعي عمال ينقح عليا والوجع بيسري في عضمي زي النار. بس الرعب اتبخر، وحل مكانه غيظ يهد جبال؛ مكنتش مستعدة تانية واحدة أحمي ناس معندهمش مشكلة يأذوني، ويدوسوا على بطني، ويجوا عليا بالشكل ده عشان خاطر الفلوس اللي بيبعتها السلف من الغربة!
سندت على الحيطة، ونضفت الدم السايل من دراعي بالعافية بقماشة بيضاء، وربطته كبس بإيشارب قديم عشان يكتم النزيف. دخلت أوضتي خطفت موبايلي وشنطتي، ونزلت السلم وأنا رجليا بتخبط في بعضها. طلعت على أول الحارة، شاورت لأول تاكسي وقعدت ورا وأنا حاطة إيدي على بطني وبقول له: “على المستشفى العام فوراً يا أسطى، الله يخليك بسرعة.”
طول السكة وأنا باصة من الشباك، ومعدتي بتقلب من التعب والروائح، كنت متأكدة من حاجة واحدة بس، حاجة حلفت عليها بدمي الغالي: لما الحاجة رسمية وشيرين يرجعوا من الفسحة والمشوار بتاعهما النهارده، حياتهم النعام وفشخرتهم الكدابة دي هتتغير 180 درجة.
أول ما دخلت المستشفى، أخدوني على طول على أوضة الطوارئ. قعدت على السرير المعدن، وجت الحكيمة (الممرضة) وبدأت تقص كم العباية اللبني المليان دم. كانت بتنضف الجرح بـ القطن والمطهر وأنا بكتم صرختي في سري. شظايا البورسلين كانت غارزة جوه اللحم وعاملة علامات غائرة، والدم كان لسه بيفور وعاصي مش راضي يقف. الممرضة كانت بتبص لي بشك وريبة، عينيها كانت بتقرأ الوجع اللي ورا ملامحي، ولما لقت القطع واصل لعمق اللحم، وقفت إيدها وبصت في عيني وقالت لي بصوت واطي: “إيه اللي عمل فيكي كدة يا مدام؟ قولي الحقيقة وم تخافيش.. دي مش وقعة عادية، ولا كعبلة مطبخ.”
في اللحظة دي بالذات، عقلي لف ودور في طريقين مفيش غيرهم؛ إما إني أكذب وأألف حكاية تافهة وأقول “السكينة فلتت” ولا “الطبق وقع مني وأنا بغسله” زي ما كنت بعمل دايماً عشان أداري على قسوتهم وأحافظ على شكل العيلة ولقمة العيش قدام أهل الحارة، يا إما إني أنطق بالحقيقة المرة وأجيب عاليها واطيها وأهد المعبد على دماغ اللي فيه.
بصيت في عين الممرضة، وبلعت ريقي الناشف، وسحبت نفس طويل وقلت لها بكل هدوء وثبات والدمعة محبوسة في عيني: “سلفتي شيرين رمت الطبق البورسلين في وشي بقصد وغِل عشان م رضيتش أخدمها وأنا بتموت من الحمل، وحماتي الحاجة رسمية كانت واقفة تتفرج عليا ومتحركتلهاش شعرة، ولما لقتني بنزف وبقع من طولي، مكلفتش خاطرها تمد إيدها، وقالت لي كنسي ونضفي الدم ده من الأرض قبل ما نمشي وسابوني غرقانة ونزلوا يتفسحوا.”




