رجعت من شغلي رشا خالد 2

سقط أحمد على الكرسي البلاستيكي المظلم بجوار الباب، ووضع رأسه بين يديه. كان ينتابه شعور بالذنب يأكل أضلعه؛ كيف تركها وغادر إلى بورسعيد؟ كيف لم يشعر بغدر أمه ولؤم أخيه؟ تلك الأم التي طالما أرضعتهما الفضيلة وكانت تنادي بالدين والبركة، تحولت في لحظة طمع وخوف إلى مجرمة تحبس روحاً بريئة في ظلام المخزن لتقت*لها بالبطء والعطش، فقط لتغطي على جريمة ابنها المدلل.

مع حلول الفجر، لم يغمض لأحمد جفن. كان يجلس بجوار سرير سارة في العناية المركزة، ممسكاً بيدها الشاحبة المتصلة بأنابيب المحاليل وأجهزة قياس النبض. فتحت سارة عينيها ببطء شديد، ونظرت إليه بعينين غائرتين تملأهما الدموع:

— “أحمد… ابننا لسه عايش؟”

قبل أحمد يدها والدموع تسيل على خديه:

— “عايش يا سارة.. عايش ببركتك وقوتك.. سامحيني يا سارة، سامحيني إن سبتك في وسط الوحوش دول.. حقك هيجي، والله العظيم حقك وحق ابننا هيجي بالقانون.”

همست سارة بجهد وهي تحاول التنفس:

— “أمك… أمك كانت بتدخل عليا كل يوم بالليل من الشباك الصغير بتاع المخزن… كانت بترمولي كباية مياه ملوثة وتقولي بصوت واطي: «موتي هنا عشان ترتاحي ونرتاح منك ومن سرك»… باهر كان عايز يفتح الباب ويطلعني لما شافني بأموت، بس هي كانت بتمنعه وتقوله: «لو خرجت هتعرف أحمد وهيودينا في داهية.. سيبها لما تخلص».”

كانت هذه الكلمات كافية لتفجير آخر ذرة رحمة أو تردد في قلب أحمد.

في صباح اليوم التالي، وتحديداً في الساعة العاشرة صباحاً، سار أحمد بخطوات ثقيلة نحو سراي نيابة المعادي. كانت قاعة الانتظار تعج بالصحفيين والمخبرين بعدما تسرب خبر العثور على ج-ثة المحامي الشهير «محسن عبد الحميد» مدفونة تحت الإسمنت في حديقة إحدى فيلات المعادي الراقية.

دخل أحمد إلى مكتب وكيل النيابة للإدلاء بأقواله كشاهد أول وكمبلغ. كان باهر يشارك في الجلسة وهو مكبل اليدين بالحديد، وجهه شاحب وشعره متسخ، وبجواره أمه حكمت التي كانت ترتدي عباءة سوداء وتجلس على كرسي خشب، تنظر لأحمد بعينين ممتلئتين بالتوسل والتودد الناعم بعد أن فشلت لغة التهديد.

قالت حكمت بصوت باكٍ ومتمسكن وهي تحاول الاقتراب من أحمد:

— “أحمد يا بني.. يا حبيبي يا ضنايا.. هتسيب أمك اللي ربتك تدخل السجن في أخر أيا مها؟ أنا عملت كل ده عشان أحمي أخوك الصغير.. باهر طيش وغلط، وأنا أمه كان لازم أستر عليه! سارة كويسة وقامت بالسلامة اهي، تنازل يا بني عشان خاطر لبني اللي شربتهولك.. ارحم أمك!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *