رجعت من شغلي رشا خالد 2

أنزلت طواقم الإسعاف النقالة ببطء شديد ونقلت سارة عبر الحديقة المبتلة، بينما رافقها أحمد لثوانٍ معدودة يطمئن عليها، قابضاً على يدها بدموع لم يستطع حبسها. قسَم لها أنه لن يترك حقها وحق طفلهما، ثم عاد بخطوات مشدودة كأنها الكابوس إلى حافة المخزن، حيث تصاعدت حركة رجال الشرطة.

وصلت سيارات النيابة العامة وفريق المعمل الجنائي، وتطوقت فيلا المعادي بالكامل بالأشرطة الصفراء. تم إدخال حكمت وباهر إلى سيارة البوليس وسط صراخ الأم التي تحولت نبرتها من الادعاء بالمرض والبركة إلى التهديد والوعيد:

— “هتدمر أخوك عشان حتة بت غريبة يا أحمد؟! ده أخوك سندك! والله ما هسامحك ليوم الدين!”

لكن أحمد لم ينطق بكلمة واحدة. كان يقف شاخص البصر ينظر إلى الضباط وهم يحفرون الإسمنت الحديث الذي لم يكن قد جف بعد بالكامل.

خلال ساعتين من العمل المتواصل تحت أضواء كشافات المعمل الجنائي الكاشفة، تم تكسير طبقة الإسمنت ورفع شيكارات التراب. بدأت الملامح الحقيقية للتربة بالظهور؛ لم تكن الج*ثة المخبأة مجرد هيكل أو غطاء، بل كانت ج*ثة رجل في أواخر الأربعينات، يرتدي بدلة رسمية سوداء ملوثة بالطين، ومكبل اليدين بسلك كهربائي سميك—من نفس النوع الذي يستخدمه أحمد في عمله بالمناطق الصناعية والذي جلب منه عينات إلى المنزل سابقاً.

عندما سحب رجال المعمل الجنائي الج*ثة جزئياً لإجراء المعاينة الأولية، سقطت محفظة جلدية من جيب المتوفي الداخلي. فتحها وكيل النيابة بحرص ليقرأ الاسم المدون على الهوية الوطنية:

«محسن عبد الحميد—محامي بالنقض وشريك في مكتب المحاماة».

أحمد أحس بالدفء يهرب من أطرافه. محسن لم يكن مجرد شريك لباهر في المكتب، بل كان الرجل الذي أنقذ باهر من الإفلاس قبل عامين وشكّل معه شركة استشارات قانونية.

أخذ وكيل النيابة يواجه باهر بالدليل الأول داخل الحديقة قبل نقلهما للقسم:

— “السلك المربوط بيه المجني عليه مظبوط إنه من مخزن البيت هنا، والأهم إن تقرير الفحص المبدئي لبصمات الأصابع على شنطة الأوراق والمولد الكهربائي بيحمل بصماتك يا باهر وبصمات والدتك.”

باهر انهار تماماً، وبدأ يبكي بنشيج هيستيري وهو يرتعد من البرد والخوف، وصرخ متلعثماً:

— “والله ما كان قصدي أقت*له! هو اللي اكتشف إن اختلست 3 مليون جنيه من حسابات العملاء وكان رايح يبلغ النيابة صباح الأربع! جالي البيت هنا عشان يواجهني بالورق، وأمي قالت لي نكتفه ونخليه يوقع على تنازل.. بس لما قاوم وناداني يا حرامي.. ضربته بفازة النحاس على دماغه!”

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *