مرات صاحب جوزي بقلم أماني السيد 3

محمود لف ضهره ومشي يجر رجليه، مسك الخشب الثقيل وشاله على كتافه، وكتافه بتوجعه من التعب، بينما هناء كانت قاعدة في مكتبها بتمشي الشغل بثقة وحزم.

الدنيا دارت دورة كاملة.. اللي كان فاكر نفسه عمدة بفلوس مراته، بقى أجير عندها بياخد قوته بالقطارة، والست اللي كانت محنية من كتر التوفير والكسرة، بقت هي صاحبة العمل، مرفوعة الراس، مسيطرة على حياتها وحياة عيالها، ومستنية الخطوة الأخيرة اللي هتختم بيها الحكاية للابد.

خرج محمود من مكتب هناء وهو حاسس إن جسمه كله بيهتز. الخشب التقيل اللي شاله على كتافه مكنش أتقل من الهم والكسرة اللي في قلبه. يمسك المكنسة ويكنس تراب الخشب، ويمسح عرقه بكُم الأفرول القديم، وعينيه كل شوية تتسحب لداخل المكتب.. يشوف هناء قاعد على الكرسي بثبات، ماسكة القلم وبتراجع الفواتير مع الحاج عبد الصمد وسعاد، بكل هيبة واحترام، والناس بتدخل وتخرج توطي عليها بالسلام والتقدير.

مرت الأيام والأسبوع ورا الأسبوع، ومحمود عايش في أوضة الخزين اللي ورا الورشة. أوضة ضيقة، ريحتها تراب وخشب، مفيهاش غير مرتبة قديمة على الأرض. كل يوم الصبح يصحى الساعة سبعة، يفتح باب الورشة، يفرش الحصيرة، ويكنس، ويستنى “مدام هناء” لما تيجي.

الـ 50 جنيه اللي كانت بتفضل له في اليوم، يا دوبك تجيب له رغيفين عيش وحتة جبنة وكباية شاي. كان بياكل اللقمة ناشفة وهو بيبص للرصيف اللي كان بيتمرغ عليه بفلوس الجمعية، ويفتكر لما كان بيبخل على هناء بطقم جديد أو موبايل، ويقول لنفسه: *”سبحانك يا رب.. الحرام مابيدومش، والظلم دينه مبيتمحيش إلا لما يتدفع للتالت والمتالت.”*

بعد مرور ستة أشهر كاملة..

الورشة بقت اسم على مسمى “ورشة الأمل”، الشغل زاد، والطلبيات بقت بالكوم بفضل إدارة هناء الأكاديمية والمضبوطة بالمسطرة، وأمانة الحاج عبد الصمد. الديون اللي كانت على محمود للتجار اتسددت بالكامل من شغله وعرق جبينه ومن أرباح الورشة.

وفي يوم خميس بالليل، بعد ما الصبيان مشيوا والورشة هديت، هناء كانت قاعدة في المكتب بتمضي أخر أوراق السداد.

محمود وقف على باب المكتب، شكله اتغير تمامًا.. خَسّ أكتر من نص وزنه، وشه بقى فيه سُمرة الشقا والتعب، وعينيه راحت منها نبرة التعالي والغرور وبقت مليانة انكسار وهدوء.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *