جوزي حكايات روماني مكرم 1

في يوم، جه تاجر كبير من بتوع الجملة، دخل المحل وهو شايل شنطة أسود في أسود، وبصلي بحدية وقال: “يا مدام، المرحوم كان عليه ليا كمبيالات ونص بضاعة المخزن دي بتاعتي بالآجل، وليا مليون جنيه كاش لازم يتدفعوا بكرة يا إما هفلسكوا وأقفل المحل بالقوة الجبرية!”
أنا اتسمرت مكاني، المليون ده معناه إننا ننكسر، والدفاتر اللي معايا مش مكتوب فيها الرقم ده خالص!
في نفس الليلة دي، وفي بيت حماتي تحت.. كان نور الصالة واطي. حسين قاعد ومولع سيجارة، وجنبه مراته وحماتي موطيين صوتهم خالص.
حسين ابتسم ابتسامة خبيثة وقال: “التاجر اللي بعتهولها طيّر برج من عقلها، واللعبة كده بدأت تظبط”.
حماتي قطمت شفتها وقالت: “المهم المحل والمخزن يرجعوا في إيدك، الست دي لو استقوت هتاكلنا كلنا ومش هنطول من تركة ابني جنيه.. هنعمل إيه في الخطوة الجاية؟”
#الكاتب_رومانى_مكرم_
يا ترى.. هيحصل إيه لما الباب يتفتح الصبح وتكتشف الشباك المفتوح والمخزن الفاضي؟ وهل التاجر ده بيلعب لحسابه ولا بيلعب مع حسين.. ومين اللي هينقذ حلال اليتامى من النار اللي بتاكل فيه؟
أشرقت شمس اليوم التالي بحرارتها الخانقة، لكن البرودة كانت تتغلغل في عظامي وأنا أخطو خطواتي الأولى نحو السوبر ماركت. كان أخوي “أحمد” يسير بجانبي يحمل دفاتر الشغل التي قضينا الليل بطوله نحاول فك رموزها دون جدوى. وصلنا إلى باب المخزن الخلفي المُلحق بالمحل، وما إن وضع أحمد المفتاح في القفل حتى وجده معلقاً بالباب دون إغلاق!
سقطت الدفاتر من يد أحمد وهو يصرخ: “يا نهار مش باين له ملامح! البضاعة راحت فين يا دنيا؟ المخزن !”
قبل أن نستوعب الصدمة، فوجئنا بصرخات تجوب الشارع. كانت حماتي وسلفي حسين يقتربان بخطوات حثيثة، وخلفهما مجموعة من تجار المنطقة وعمال السوق. دخل حسين بتمثيلية متقنة وهو يلطم بكفيه: “يا لهوي! حلال أخويا راح! مش قولتلكم حريم ما يفهموش في الشغل؟ سابوا الباب مفتوح والبضاعة في أنصاف الليالي!”
تحرك حسين بنظرات تشفي ليأخذ سلسلة المفاتيح من يد أحمد بالقوة، لكن أبي وقف في وجهه ودفعه بيده وفصلاً: “اركب أعلى ما في خيلك يا حسين! المفاتيح دي مش هتلمس إيدك، والشرطة هي اللي هتقول مين اللي دخل المخزن ومين اللي خرج بالبضاعة في وسط الليل!”
تغيرت ملامح حسين للحظة، وظهر في عينيه قلق خاطف حاول داريته بالصراخ: “شرطة إيه؟ إحنا بنفهم في أصول كان الموقف كفيلاً بكسر أي امرأة، فالناس تتهامس، وحسين وحماتي يغذون نار الفضيحة، والتاجر يهدد بالسجن، والمخزن خاوٍ على العروش. لكن في تلك اللحظة بالذات، تولدت في داخلي قوة لم أعرف لها وجوداً من قبل. تذكرت بناتي اللتين تركتُهما في الشقة، وتذكرت وجه زوجي الراحل، وعرفت أن السقوط هنا معناه الضياع الأبدي.




