زينب حكايات أماني السيد 2

الكلمات دي نزلت على قلبي زي المية المغلية. كنت حاسة إن كبريائي بيتداس عليه بجزمة قديمة في وسط الحارة. يعني زينب اللي كنت بحسبها من غيرنا ولا تسوى بصلة، طلعت عايشة ومنورة ومن غير ما تحتاج للقمة من بيتنا؟

الجمعة جات، العزومة الكبيرة اللي كنا بنتباهى بيها قدام قرايبنا وعيلتنا بقت فضيحة. أختي وعيالها جوم، لقوا البيت ريحته زفرة، والأكل عبارة عن جُبن وطماطم متبلة وعيش ناشف لأن نجوى وسلفتها التانية اتخانقوا في المطبخ وسابوا الأكل وتحرق. أختي بصت لي باستغراب وقالت: “إيه يا حاجة؟ فين صواني زينب؟ فين الرقاق واللحمة المحمرة اللي كنا بنشم ريحتها من أول الشارع؟ هي زينب فين؟”

نجوى اتنطرت وقالت بقلة أدب: “زينب غارت في ستين داهية! وإحنا مش خدامين عشان نطبخ لحد!”

عبد الله ما استحملش. يوم السبت الصبح، من غير ما يقول لي، أخد بعضه وطلع على المصنع اللي زينب شغالة فيه. عرفت بعدها بساعة لما جالي الولد الصغير شغال في المقاهي يقولي: “يا حاجة.. الحق ابنك عبد الله واقف قدام باب المصنع ماسك في زينب وبيتخانق معاها والناس متجمعة!”

نزلت أجري زي المجنونة، جلبابي يلم في الشارع والغل مالي قلبي. وصلت قدام باب المصنع الكبير، لقيت عبد الله واقف مسك في دراع زينب وهي بتحاول تنفض إيده بقوة، والعمال والمهندسين واقفين يتفرجوا.

عبد الله كان بيصرخ بصوت مكسور: “تعالي معايا يا زينب! تعالي البيت محتاجلك.. أنا أسف، هجيبلك المصنع كله!”

أنا دخلت في اللحظة دي، بزعق وبنفض في جلبابي: “سيبها يا عبد الله! سيب الصايعة دي اللي بايعة بيتها وجوزها عشان قرشين تافهين! فاكرة نفسك بقيتي هانم يا بت أنتِ؟ أنتِ حافية وملكيش أصل وهتفضلي طول عمرك خدامة!”

زينب التفتت لي. ما خافتش، ما وطتش رأسها زي زمان، قربت مني بخطوات بثقة، وبصت في عيني زينب بصت لعبد الله بأسف وقالتله: “أنت اللي دمرت نفسك لما سبت أمك تسوقك زي العيل الصغير. البنت ملهاش مكان في بيتكم، ولو فكرت تقرب من باب بيتنا تاني، القانون بيننا.”

زينب مش هي اللي كانت محتاجة لبيتنا وعزنا.. بيتكم وعزنا هما اللي كانوا عايشين على خروج عبد الله من قدام المصنع وهو مكسور ومش قادر يشيل طوله كان بداية وقفل على نفسه بالمفتاح، ومعدش بيطلع غير عشان يروح شغاله ويرجع يترمي على السرير. لا بقى يكلمني ولا يكلم أخواته، وحتى لما كنت أدخل عليه الشاي أو الأكل، كان يبص لي بنظرة ناشفة خالعة من أي حنية، زي ما يكون بيشوف في وشي السبب في خراب بيته وعمره.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *