زينب حكايات أماني السيد 2

في الوقت ده، كانت الحرب ولعت بين سلايف زينب في المطبخ والصالة. نجوى وسلفتها التانية بقوا يقعدوا يترقبوا بعض على كل حاجة. دي تقول: “أنا غسلت المواعين إمبارح، أنتِ اغسلي النهاردة”، والثانية ترد: “أنا مش خدامة عندك ولا عند عيلتك، روحوا هاتوا زينب تنضف.
أنا بقيت أقعد في الصالة لوحدي بالليل، أدور بعيني في الزوايا، أفتكر زينب لما كانت تصحى الفجر من غير ما حد يحس بيها، تنزل على الركب تمسح البلاط، وتبخر البيت بريحة المستكة وهي بالدعاء. أفتكر لما كانت تعمل الشاي بالنعناع وتجيبه لحد عندي وتقولي: “اشربي يا حاجة عشان صحتك”. كنت فاكرة إن الشغل ده حفر في صخر ومش مستاهل، بس لما غابت، اكتشفت إن الشغل ده كان هو الروح اللي ماسكة حيطان البيت من غير ما نحس.
مر شهر، وورقة طلاق زينب وصلت عبد الله عن طريق المأذون. اليوم ده كان أسود يوم في البيت. عبد الله مسك الورقة وإيده بتترعش، وبص لي بنظرة عمر ما هنسى ، وقال بصوت طالع من قاع بئرة: “ارتحتِ يا أمي؟ اديكي طرقتيها وطلقتيني منها.. أهو بيتك بقى ليكي لوحدك، افرحي بالعز والجاه اللي كنتِ بتتكلمي عنه!” ورمى الورقة في وشي وخرج، وما رجعش البيت ليلة كاملة.
بدأت ألاحظ إن البيت بيتقسم ويتهد حجر حجر. عبد الله بقى يسحب نفسه بالتدريج، يأكل برة ويقعد على القهوة للصبح عشان يهرب من الخرابة اللي بقينا فيها. وابني الكبير بدأ مع مراته نجوى كل يوم بسبب قلة النظافة والأكل المحروق، والصوت كان بيوصل لأخر الشارع. الناس في الحارة بقوا يبصوا لبيتنا بنظرة شمتانة، وبقوا يقولوا من ورا ضهرنا: “شوفوا البيت اللي كان شايف نفسه على الناس، بقوا عايشين في القمامة بعد ما طردوا بنت الناس الطيبين!”
وفي يوم من الأيام، سمعت إن أخو زينب الصغير، اللي كان شغال باليومية ومحيلتوش حاجة، ربنا فتحها عليه وشغلته مشيت بعد ما زينب دخلت المصنع وساعدته بقرشين من ماهيتها. فتحوا محل صغير لبيع الخضار والنظافة في أول الحارة، وبقت زينب هي اللي بتدير الفلوس والحسابات بعقل أوزن من جبل. البت صغيرة ابنتها بقت تمشي في الشارع بشنطة المدرسية ونظيفة وزي القمر، وكل اللي يشوف زينب يقول: “سبحان من عزك بعد ما كنتِ مدفونة في الخرابة!”
الغيرة أكلت قلبي، وقررت إني مش هسيبها تفرح كده ولازم وقفت قدام باب المصنع والشمس كانت حامية، والعمال نازلين أفواج. طلبت يقابلها، وطلعت زينب من الباب. ما كانتش ، ولا ظهر على وشها أي استغراب. كانت ماشية عباية نظيفة وطرحة ، ولابسة ساعة بسيطة في إيدها، وباصة لنا بقمة الهدوء والصلابة.





