جبت لحماتي سجادة حكايات منى السيد ١

نقشة الوردة المحفورة، درجات الكحلي اللي دايب فيها خيط الدهب، نفس العقدة، ونفس التيكت بتاع المعرض لسه متدبس في ضهرها ما اتشالش! اتسمرت مكاني وركبي سابت، بصيت للسجادة وأنا مش مصدقة عيني، مسكت طرفها وتأكدت، هي.. هي دي بالظبط السجادة اللي دمي اتحرق عشان أشتريها لحماتي في عيد الأم، واللي فضلت شهور تقنعني إنها مخزناها في أمان الدولاب عشان خايفة عليها من البهدلة!

وقفت، والصوت طلع مني مخنوق ومش طالع من زوري بالعافية، شاورت بإيد مرتعشة وسألت سلفتي: «السجادة

دي.. جبتيها منين؟».
سلفتي لفت وشها عادي جداً وبصتلي بابتسامة واسعة وهي بتعدل شعرها، وقالت بمنتهى البساطة والبرود: «دي؟ دي ماما حماتي هي اللي ادهاني أول ما شافت الصالون بتاعي، قالتلي دي ذوقها عالي جداً وتليق عليكي، وخسارة تتركن عندي!».

نزلت الكلمة على دماغي زي المية الساقعة، وقفت باصة للسجادة المفرودة تحت رجليا، الدنيا كلها بتلف بيا، وصوت حماتي بيرن في ودني: «شايلاها ومخزناها عشان العيال»، والدم اتجمد في عروقي وأنا واقفة في نص الصالة مش قادرة حتى أتنفس من هول الصدمة.

فضلت واقفة في مكاني، حاسة إن الأرض بتتحرك من تحت رجليا والحيطان بتقفل عليا بالتدريج. سلفتي كملت كلامها ورصت المخدات على الكنب وهي بتضحك ومبسوطة، مش واخدة بالها خالص من وشي اللي هرب منه الدم ولا من إيديا اللي كانت بتترعش على أطراف السجادة. كل تفصيلة فيها كانت بتفكرني بوجع رجلي في اليوم اللي لفيت فيه المحلات، وبحرماني من حاجات كتير عشان أجمع تمنها وأفرح حماتي بحاجة تشرفها قدام ضيوفها.

بلعت ريقي بصعوبة بالغة وحاولت أرسم ابتسامة باهتة على وشي عشان الموقف ما ينفجرش قدام البنت، هي في الأول والآخر ملهاش ذنب، هي عروسة جديدة وجالها هدية ففرحت بيها. مسكت نفسي بالعافية وقلت بصوت بيترجف: «مبروك عليكي يا حبيبتي، تتهني بيها يا رب». قالتلي بذوق: «الله يبارك فيكي يا قمر، ماما ذوقها يجنن صح؟ أول ما شافت ألوان الصالون قالتلي مفيش غيرها هينطق المكان، وشالتها جابتهالي لحد عندي».

كل كلمة كانت بتنزل زي السكينة في صدري. الست اللي فضلت شهور تحلفلي

إنها شايلاها في كيسها ومخزناها في الدولاب خايفة عليها من عيال أخوها، كانت في الحقيقة مستخسراها في بيتها وفي ابنها، وحاسة إن اللي جابته مرات الابن ملوش قيمة، أو يمكن شافت إنها تعمل بيها واجب وتكسب بيه قلب العروسة الجديدة على حساب حرقة دمي وكسرة خاطري!
خلصت اليوم ده بالعافية، كنت بتحرك زي الآلة، أفرش ملاية، أرص طقم كاسات، وعيني مش قادرة تبعد عن السجادة المفروشة في نص الصالة، بتلمع بنقشتها اللي اخترتها بالساعات. أول ما خلصنا وباركت للعروسة، نزلت السلالم وأنا مش شايفة قدامي، الدموع اللي حبستها طول الساعات دي نزلت شلال على خدي أول ما قفلت باب العمارة من تحت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *