حفل تخرج بنتي لأماني السيد

قربت منها، وبصوت واضح وهادي سمعه يوسف والصفوف الأولى:
— “مس رانيا… من فضلك اطلعي هنا، وافتحي كشف الحضور وقايمة أسماء دفعة التخرج اللي في إيدك حالا. اقري قدام أولياء الأمور اسم بنتي فريدة كامل من واقع شهادة ميلادها، واقري اسم البنوتة كارما كامل واسم والدها المسجل عندكم.”
المشرفة ارتبكت وبصت للمديرة اللي شاورتلها بحزم إنها تطلع، الجو في القاعة بقى مشحون بطاقة حبست أنفاس الكل، حتى الأطفال سكتوا من هيبة الموقف. مس رانيا طلعت ووقفت جنب المايك بإيد بترتعش، فتحت الكشف المطبوع، ودورت بصباعها بين السطور بينما يوسف عينه بتجحظ برعب حقيقي وعرقه بينزل شلالات على قميصه الفاخر.
قربت الميس الورقة لعينيها وقالت بصوت مسموع في المايك:
— “الطالبة: فريدة يوسف أحمد التهامي… اسم الأب المسجل: يوسف أحمد التهامي.”
القاعة رجعت تتهامس وشهقات الأمهات عليت، لكن الضربة القاضية كانت في السطر اللي بعده لما قلبت الميس الصفحة وقالت:
— “والطالبة: كارما شريف عبد الرحمن… اسم الأب المسجل: شريف عبد الرحمن، والأستاذ يوسف غير مسجل بصفة قرابة للطالبة.”
الكلمات نزلت زي صاعقة كهربية شلت يوسف تماماً. الست اللي معاه صرخت بصوت مخنوق وسحبت بنتها من إيدها وجريت وسط الممرات بتداري وشها والناس بتبعد عنها باشمئزاز وبيبصوا لها باحتقار معلن.

يوسف بقى واقف على خشبة المسرح كأنه عريان تماماً قدام مئات العيون، لسانه عجز عن نطق حرف واحد، والمايك اتزحلق من إيده ورن في الأرض بصوت عالي وجاف لخص حجم سقوطه المروع.
وطيت وشلت فريدة في حضني، رفعتها لفوق وبوست خدها والابتسامة رجعت تنور ملامحها البريئة بعد ما عرفت إن الحق ظهر، وفي اللحظة دي القاعة انفجرت بتسقيف حاد وهتافات تشجيع من المدرسين والأهالي اللي حاصرونا بدعوات ومباركات، وسابوا يوسف منبوذ ورا ضهرنا، غرقان في خزيه وفضيحته اللي عمر ما حد هينساها.
نزلت بفريدة من على درجات المسرح وسط ممر شرفي عفوي عملوه الأهالي والمدرسات، الناس كانت بتمد إيديها تطبطب على كتف بنتي، وواحدة من الأمهات سحبت من شنطتها باقة ورد صغيرة وعلبة شيكولاتة فاخرة ومدتهم لفريدة بابتسامة دافية: “ألف مبروك يا حبيبتي، إنتي أجمل وأشطر بنوتة اتخرجت النهاردة!”.
فريدة عينيها لمعت بفرحة حقيقية، حضنت الورد وضحكت بصوت عالي ملأ القاعة، صوت ضحكتها كان كفيل يمسح أي أثر للخوف أو الانكسار اللي حسّت بيهم من دقايق.
على الجانب التاني، كان يوسف شبه مشلول، نزل من المسرح ورجليه مش شايلاه، الوشوش اللي كانت بتضحك له من شوية بقت بتبص له بقرف ونفور صريح، حتى الراجل اللي كان واقف يشاركه الضحك عند البوفيه لف ضهره ورفض يبص في عينه. لما حاول يقرب مننا ويمسك دراعي بعصبية وهو بيهمس بفحيح مكتوم: “انتي فاكرة نفسك هتعرفي تفلتي باللي عملتيه ده؟ ورحمة أمي لـ…”
قبل ما يكمل جملته، اتدخل اتنين من أولياء الأمور بحزم ووقفوا حيطة سد بيني وبينه، واحد منهم زقه بخفة في صدره وقال له بنبرة صارمة: “الزم حدودك يا أستاذ واحترم المكان، كفاية اللي عملته لحد هنا وما تفرّجش الناس عليك أكتر من كده، اتفضل برا بهدوء بدل ما الأمن يخرّجك!”.
مديرة المدرسة شاورت لحراس الأمن، وفي لحظات كان اتنين من أفراد الأمن محاوطينه من الجنبين، بيقتادوه ناحية البوابة الرئيسية وسط عيون كل الحاضرين اللي تابعت خروجه كأنه منبوذ بيتطرد من مكان مش شبهه. كان ماشي موطي راسه، كتف مهدود، وغروره اتكسر قدام مجتمع كامل كان بيحاول يبني برستيجه المزيف على حساب طفلته.
خرجت بفريدة لساحة المدرسة في الهوا المفتوح، الشمس كانت دافية وكأنها بتطهرنا من كل السواد اللي عشناه جوه. بنتي رفعت راسها وبصتلي، عينيها صافية ومفيهاش دمعة واحدة، وقالتلي ببراءة:
— “ماما.. إحنا خلاص مش زعلانين، صح؟”
نزلت لمستواها، بوست راسها بكل قوتي وابتسمت من قلبي لأول مرة من شهور طويلة:
— “ولا عمرنا هنزعل تاني يا روح ماما.. النهاردة إحنا الاتنين اتخرجنا، مش إنتي لوحدك.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *