حفل تخرج بنتي لأماني السيد

مسكت إيد فريدة وخرجنا من باب المدرسة، كانت خطوتها خفيفة كأنها اتولدت من جديد، صوت زقزقة ضحكتها مع كل خطوة على الرصيف كان بينزل على روحي زي البلسم. وقفت تاكسي وركبنا، وقبل ما يتحرك طلبت من السواق يعدي على أكبر محل ألعاب في طريقنا.
دخلت المحل وأنا رافعة راسي، شلت فريدة وخليتها تلف بين الرفوف براحتها، مش بتدور على عروسة باليه عادية زي اللي استخسرها فيها أبوها، لأ، اخترنا سوا أكبر بيت عرايس ملون، وفستان أميرات كانت بتحلم بيه. دفعت تمنهم من تعبي وفلوسي الحلال وأنا حاسة برضا عمري ما دوقته قبل كده. الفرحة اللي شفتها في عيون بنتي وهي حاضنة علبتها وبتتنطط وسط المحل كانت تسوى الدنيا وما فيها.
أول ما وصلنا البيت، قفلت الباب بالمفتاح، وحسيت إن الهوا جوه الشقة بقى أنضف. تليفوني مابطلش رن؛ رسايل يوسف كانت نازلة شتيمة وتهديد بالبهدلة في المحاكم، وبعدها بساعة اتقلبت لرجا وتوسل: “أبوس إيدك يا هدى افتحي، الفضيحة خربت بيتي، الست اللي معايا هربت وشغل أبوها لغى كل التعاقدات معايا، متخربيش بيتنا عشان لحظة غضب!”.
بصيت للشاشة بنظرة باردة تماماً، من غير ما ينبض في عروقي أي خوف ولا حتى شماتة. عملت لرقمه حظر بلمسة صباع واحدة، وفتحت كشف المكالمات وطلبت رقم محامي العيلة.
— “مساء الخير يا متر.. عايزة أرفع قضية خلع ونفقة ومؤخر بكرة الصبح، ومعايا فيديو كامل لواقعة الحفلة يثبت الضرر النفسي والإسقاط العلني لبنته، والشهود نص أولياء أمور المدرسة.”
المتر رد بنبرة واثقة: “حقك مضمون يا فندم، والقضية في جيبنا من أول جلسة.”
قفلت السكة، وقعدت على الأرض جنب فريدة اللي كانت غرقانة وسط ألعابها الجديدة وبتغني لحن طفولي سعيد. بصيت للمراية وشفت ست تانية؛ ست خرجت من تحت رماد التهميش والقهر، واكتشفت إن قوتها الحقيقية مكنتش في راجل ملوش ضهر، لكن في كرامة اتولدت من حزن بنتها، وفي حياة جديدة لسه بتبدأ على بياض.
أروقة محكمة الأسرة كانت المحطة الأخيرة في رحلة التحرر دي. القضية ما خدتش شهور طويلة زي المعتاد؛ الفيديو اللي وثّقته كاميرات أولياء الأمور وإدارة المدرسة للمشهد كامل، وشهادة المدرسين ومديرة المدرسة، كانت كفيلة تثبت الضرر النفسي البالغ اللي اتعرضت له أنا وبنتي، وتخلع عنه قناع المثالية المزيّف قدام منصة القضاء.
في جلسة النطق بالحكم، كان يوسف حاضر ومحاميه جنبه وشه في الأرض، عاجز يقدم أي حجة تدفع عنه حقيقة تصرفه ونكرانه لبنته علناً. القاضي نطق بالحكم بالطلاق للضرر، وحكم بإلزامه بكامل مؤخر الصداق، ونفقة العدة والمتعة، بالإضافة لتمكيني من شقة الزوجية كحاضنة، وإلزامه بنفقة شهرية محترمة ومصاريف تعليم فريدة في مدرستها كاملة من غير نقص مليم واحد، مع الحجز على أرصدته في البنك لو امتنع عن السداد.
صوت شاكوش القاضي وهو بيخبط على المنصة كان إعلان رسمي بموت كابوس طويل استنزف روحي لسنين. يوسف حاول يقف في طريقي برة القاعة، وشه كان شاحب، وهالات السواد تحت عيونه بتفضح الانهيار اللي وصل له بعد ما عشيقته سابته واتفضحت قصتها، وخسارته لأهم عملائه اللي سمعوا بالفضيحة ورفضوا يتعاملوا مع شخص باع أصله وتخلى عن دمه بالشكل ده.
قرب مني بصوت مكسور ومبحوح، خالي من أي ذرة غطرسة:
— “خدتي كل حاجة وخربتي بيتي.. مبسوطة باللي وصلتيله؟ هتعيشي بنتك من غير أب؟”
وقفت في وشه، وبصيت له بنفس النظرة الباردة اللي حرقته يوم المسرح، ورديت بنبرة حاسمة خلت الكلمات تقطع أنفاسه:
— “إنت اللي خربت بيتك يوم ما استخسرت في بنتك كلمة حنينة ولعبة وضحكت لغيرها. أنا ما أخدتش غير حقي وحقها بالقانون، وفريدة عمرها ما كانت محتاجة أب بالاسم عشان تكبر.. إنت خسرت كل حاجة لأنك بنيت برستيجك على الرمل، وأنا بنيت حياة بنتي على الكرامة.”
سبته واقف مكانه وسط الممر، مشلول ومحاصر بخيبته، ومشيت بثقة من غير ما التفت ورايا ولا خطوة واحدة. رجعت البيت اللي بقى ملكي أنا وفريدة بس، فتحت الشبابيك للشمس والهوا النقي يدخلوا يطهروا المكان من ريحة الخذلان. ومع كل يوم بيعدي، كانت فريدة بتكبر في حضني بأمان، بتنجح وبتضحك من قلبها، وأنا بدير حياتي وشغلي وأموري بكرامة كاملة، بعد ما أخدت تاري وتار كسر خاطرها على داير مليم، وبقى وجوده في حياتنا مجرد تحويل بنكي بيوصل في أول كل شهر.. ولا أكتر ولا أقل.
الأيام جرت، والشقة اللي كانت شاهدة على التوتر والخنقة اتحولت لواحة دافية مليانة ألوان وحياة. دهنت أوضة فريدة باللون الوردي اللي كانت بتحبه، ومليت الأركان بضحكاتها ورسوماتها اللي بقت بتعلقها على التلاجة بفخر: “ماما وبس”.




