من وقت ما اتجوزت روماني مكرم ١

بنتي، نور عيني، حتة السكر اللي كانت بتضحك، مرمية على السرير الحديد الصغير، وشها شاحب زي الكفن، شفايفها بيضا ومتشرحة، أجهزة بتزمر حواليها، وخراطيم محشورة في مناخيرها وبقها، والكانيلولات مغروزة في عروق إيديها الصغيرة والرفيعة، وجسمها الصغير بينتفض كل شوية مع نفس صناعي بيخش بالعافية. لطمت على صدري، دموعي غسلت الإزاز وأنا بحط كف إيدي قصاد جسمها، وبهمس بصوت محروق: «سامحيني يا نور.. سامحي أمك يا ضنايا.. أنا اللي رميتك، أنا اللي فضلت كلام الناس وخفت من بيتي الجديد وسبتك تموتي يا حتة مني..
قومي يا نور، قومي وأنا والله ما هسيبك، والله هقعد تحت رجلك خدامة، متسيبيش أمك يا بنتي، أنا مليش غيرك في الدنيا».كل ده وعصام واقف بعيد، حاطط إيده في جيوب بنطلونه، بيتأفف، وبيبص في الموبايل، وعينه رايحة جاية في السقف كأنه في مشوار تقيل ومستني الدور عشان يخلص منه. بعد ساعتين مروا كأنهم قرون، خرج الدكتور، لابس البالطو بتاعه وشكله مجهد جداً، جريت عليه أنا وأمي، مسكت في البالطو بتاعه زي الغريق:— «طمني يا دكتور، والنبي قولي إنها فاقت! قولي إن بنتي هتعيش!».
الدكتور قلع النضارة ومسح وشه وقال بتنهيدة تقيلة: «الحمد لله، قدرنا نسيطر على التشنجات، والحرارة بدأت تنزل شوية، بس البنت لسه في حالة غيبوبة غير مستقرة.. التحاليل بتقول إن البنت جالها انهيار عصبي وصدمة نفسية شديدة جداً، ده أثر على مناعتها وعمل خلل مفاجئ في جسمها خلى السكر ينهار ويدخلها في الحالة دي.. الطفلة في سن خطر، ونفسيتها اتكسرت بشكل فظيع، لما تفوق محتاجة أمها تكون قاعدة في وشها، محتاجة تحس بالأمان جنبها ليل ونهار، لو بعدتي عنها تاني وهي بتفوق، ممكن ترجع التشنجات وساعتها المخ هيتأثر ومحدش هيقدر يلحقها.
. وجودك جنبها هنا مسألة حياة أو موت، مفهوم؟».كلام الدكتور نزل على قلبي زي المية الباردة وقطع شراييني في نفس الوقت، سجدت على البلاط بتاع المستشفى من الفرحة إنها عايشة، وقولت بصوت عالي: «الحمد لله يارب.. هفضل معاكي يا نور، مش هسيبك دقيقة، هنام على البلاط ده جمبك لحد ما تفتحي عينك وتضحكيلي تاني».قومت مسحت دموعي، ولفيت عشان أدخل الأوضة جنبها وأقول للممرضات يدخلوني.. لكن فجأة، لقيت إيد خشنة زي الكماشة بتمسك دراعي بقوة وجعّت عضمي، ولفتني ليها بعنف. كان عصام. عينه كانت حمرا، ملامحه ناشفة ومفيهاش ذرة دم، وبقّه مزموم بغيظ وغضب بيغلي.





