من وقت ما اتجوزت روماني مكرم ١

. بنتي أهم من الدنيا كلها، ومن اللحظة دي مفيش راجل هيدخل حياتي ولا هيتحكم في ضنايا، بنتي هتعيش في حضني، ولقمة بملح وإحنا سوا بالدنيا وما فيها».في اللحظة دي بالظبط، اتفتح باب الرعاية المركزة فجأة، وخرجت ممرضة تانية بتجري وبتنادي بلهفة:— «مين والدة الطفلة نور؟ فينك يا مدام؟».قلبي وقع في رجلي، جريت عليها وقولت بفزع:— «أنا! أنا أمها.
. خير يا رب، في إيه؟ بنتي جرالها حاجة؟!».الممرضة ابتسمت بتعب وطبطبت على كتفي:— «اهدي يا ستي، البنت بدأت تفوق من الغيبوبة.. شفايفها بتتحرك وبتنده باسمك، والحرارة نزلت، الدكتور بيقول تدخلي لها فوراً وبلاش عياط قدامها عشان متتخضش، البنت محتاجة أمان».الدنيا لفت بيا من الفرحة، حسيت إن ربنا بيطبطب على قلبي وبيقولي إن اختياري كان صح. دخلت جري، عقمت إيدي ولبست البالطو الأزرق على الباب، ورجليا كانت بتسابق الريح لحد ما وصلت لسريرها الصغير. نور كانت هناك.. وشها لسه شاحب وعينيها نص مقفولة، بس رموشها بتتحرك بضعف، والخراطيم بدأت الممرضة تشيل منها شوية.
قربت منها براحة، مسكت إيدها الصغيرة اللي كانت متوصلة بالمحلول، وبوستها مليون بوسة، وحطيت خدي على كفها الدافي ودموعي بتنزل ساكتة:— «نور.. نور عيني، أنا هنا يا قلبي.. ماما جنبك ومش هتمشي تاني أبداً».البنت فتحت عينيها السودة الواسعة ببطء شديد، النور كان باهت في عينيها في الأول، بس أول ما ميزت وشي، ملامحها اتغيرت، صوابعها الصغيرة قفلت على صباعي بكل الضعف اللي باقي فيها، وطلعت همسة مبحوحة متقطعة زي نسيم ضعيف:— «ماما.
. إنتي.. إنتي جيتي؟ مش هتروحي عند الراجل الوحش تاني؟».ضميتها لحضني بحذر عشان الأجهزة، ودفنت وشي في رقبتها وأنا بشم ريحتها اللي ردت فيا الروح، وقولتلها بصوت طالع من قاع قلبي:— «مش هروح في حتة يا نور.. ماما خلاص رجعتلك، ومفيش حد في الدنيا هيفرقنا تاني أبداً.. أنا هنا في حضنك لحد ما تكبري وتشوفي ولادك».عدت الساعات تقيلة في المستشفى، واليومين اللي بعدهم مسبتش إيدها لحظة، كنت بنام على كرسي حديد مكسور، بس كنت بنام وأنا مرتاحة، مبقتش أسرق الساعات ولا بخاف من رنة تليفون تقولي اتأخرتي ليه.
نور بدأت تسترد عافيتها واحدة واحدة، وشها رجع فيه الدم، وبدأت تضحك ضحكتها الرقيقة اللي بتنور الدنيا لما أأكلها الزبادي أو أحكيلها حواديت، وكانت كل شوية تتأكد إني لسه ماسكة إيدها وتقولي: «إحنا هنروح بيتنا عند تيتا سوا؟» وأرد عليها بيقين مكنش عندي زمان: «سوا يا قلب ماما.. ومحدش هيقفل الباب في وشك تاني».في اليوم التالت، دخل الدكتور المتابع عشان يكتبلها إذن خروج، بص على التحاليل وابتسم:— «معجزة الطفلة دي كانت وجودك، نفسيتها لما استقرت سكرها اتظبط وأجهزتها رجعت تشتغل طبيعي.. خدي بنتك وروحي يا ست الكل، بس اوعي تزعليها تاني، البنت دي روحها معلقة في رقبتك».





