أنا عروسة جديدة روماني مكرم ٢

كان حازم يقف في تلك الأثناء تحت نافذة غرفتي في الشارع، كعادته كل ليلة، ينتظر إشارة واحدة أو كلمة عفو، دون أن يدري بالسر الجديد الذي أحمله في بطني، ولا بالقرار المصيري والمفاجئ الذي عقدتُ العزم على تنفيذه في اللقاء الحاسم المنتظر. مرت الليلة الأخيرة من الشهر كأنها دهر كامل، وقفتُ فيها أمام مرآتي أتأمل ملامحي التي صقلتها المحنة وجعلت نظراتي أكثر نضجاً وقوة.

لم أعد تلك العروس الساذجة التي تندفع بعفوية لخدمة الجميع دون حساب للعواقب أو معرفة بقلوب البشر، بل أصبحت امرأة تعرف تماماً كيف تنتزع حقها وكيف تضع حدوداً فاصلة لا يتجرأ أحد على تجاوزها. في صباح اليوم التالي، طلبتُ من والدي أن يدعو حازم وعمه الكبير لجلسة أخيرة في بيتنا؛ جلسة إسدال الستار. حضر حازم في الموعد المحدد، وكان مظهره يروي قصة شهر من العذاب النفسي؛

فقد وزناً كبيراً، وبدا الشحوب على وجهه، لكن بريق الأمل اشتعل في عينيه فور أن رآني أدخل الصالة. تقدم خطوة نحوي ثم تراجع احتراماً لشرط أبي، وبقي واقفاً ويداه ترتجفان، منتظراً كلمة واحدة تحدد مصيره. جلستُ بجوار أبي، ووضعتُ على الطاولة أمامي ملفين: الملف الأول يحتوي على عقود ملكية الشقة الجديدة الموثقة في الشهر العقاري باسمي، والملف الثاني هو تقرير الفحص الطبي الذي يثبت حملي.

تنحنح عم حازم، الحاج عبد الرحمن، وقال بصوت خافت: “يا بنتي يا نور، حازم نفّذ كل شروطك بحذافيرها، والاعتذار رد كرامتك قدام البلد كلها، والشقة اتكتبت ليكي زي ما طلبتي، وإحنا النهاردة جايين نسمع حكمك النهائي اللي مفيش بعده مراجعة”.نظرتُ إلى حازم ملياً، ورأيتُ في عينيه دموعاً محبوسة وخوفاً حقيقياً من الفقدان. رفعتُ تقرير الطبيب وأزحتُه نحو منتصف الطاولة، وقلت بصوت هادئ ورزين اخترق صمت الغرفة: “قبل ما أقول قراري.

. في أمانة تانية دخلت بيننا، أنا حامل في شهرين”.سقطت الكلمات عليه كصدمة كهربائية شلت حركته؛ اتسعت عيناه، وفتح فمه محاولاً استيعاب المفاجأة، ثم انهمرت دموعه بغزارة لا توصف، وركع على ركبتيه أمام أبي وهو يضع يديه على وجهه وينتحب فرحاً وندماً في آن واحد: “الحمد لله.. يا رب لك الحمد! والله العظيم هكون أب يستاهل، هعوضك عن كل دمعة نزلت من عينك، ومش هخلي الهوا يلمسك يا نور!”.أشرتُ له بيدي ليتوقف، فتجمد مكانه ورفع بصره نحوي وهو يرتجف.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *