خطوبة طليقي حكايات زهرة ٢

عندما نُودي على القض..ية، دخلنا جميعاً إلى القاعة. كان القاضي يتصفح الأوراق بوقار وتركيز، بينما استأذن محامي حسام وبدأ في إلقاء مرافعته محاولاً قلب الحقائق: “سيدي القاضي، موكلي أب مكلوم يُحرم من ابنته، وما تُقدمه المطلقة ما هو إلا ادعاءات كاذبة وتلفيقات انتقامية بعد علمها بنيته في الزواج، وهي تستغل الطفلة وتلقنها كلاماً لا تعيه للزحف نحو إسقاط حق الرؤية والتضييق عليه!”
وقف محاميّ بكل ثبات واستئذان القاضي قائلاً: “سيادة القاضي، نحن لا نتحدث عن ادعاءات شفهية، بل نطرح أمام عدالة المحكمة أدلة مادية وقاطعة. لدينا تفريغ رسمي للرسائل والتسجيلات الصوتية للأب، بالإضافة إلى تقرير الأخصائي الاجتماعي المرفق بالملف من واقع محضر مركز الشباب، والذي أثبت حالة الرعب والانهيار النفسي التي تعرضت لها الطفلة، وإقرارها التلقائي والمباشر بتحريض الأب لها على التفوه بألفاظ وممارسات مسيئة.”
القاضي رفع رأسه وبص بصرامة لنحو حسام، ثم طلب الاستماع إلى التسجيلات المعروضة في حرز القض..ية. ساد الصمت التام في القاعة، ولم يُسمع سوى صوت حسام الصريح في التسجيل وهو يحثّ منه الصغيرة ويقول لها بوضوح: “ابقي قولي لماما الكلام ده أول ما ترجعي عشان تعرف أنا بعامل خطيبتي إزاي…”، متبوعاً بألفاظ لا تليق بأي بيئة تربوية.
في تلك اللحظة، اصفرّ وجه حسام وتلعثم محاميه، وانحنت والدته لرأسها في صمت عاجز بعد أن أُسقط في أيديهم أمام الجميع. لم تكن التسجيلات مجرد دليل، بل كانت تعرية كاملة لحقيقة النفسية المريضة التي كان يحاول إخفاءها خلف رداء الأبوة وحسن النية.
نظر القاضي إلى حسام بنظرة حادة تحمل كل معاني الاستهجان والرفض، وقال بصوت هزّ أركان القاعة: “إن الأبوة ليست مجرد اسم في شهادة الميلاد، بل هي أمانة وتربية وصيانة لبراءة الطفل. وما ثبت للمحكمة من واقع الأدلة والتقارير الرسمية يشير إلى استغلال صارخ ولجوء غير أخلاقي للطفلة في خصومات شخصية، مما يشكل خطراً ونكوصاً تربوياً ونفسياً جسيماً على الصغيرة.”
طلب القاضي تأجيل النطق بالحكم النهائي للحظر والتدقيق في صياغة القرار الشامل بشأن الحضانة وحظر الرؤية المباشرة لحين صدور الحكم في اليوم التالي.
خرجنا من القاعة، وكان حسام يقف في الممر يحاول تجنب نظرات الحاضرين الذين سمعوا فحوى الجلسة والتسجيلات. اقترب مني بخطوات متثاقلة، وقد اختفت من عينيه كل نظرات التحدي والغرور، وحلت محلها الانكسار والخوف من الفضيحة القادمة.





