جوزي رجع البيت ٢

نزلت بنظراتي له وأنا قاعدة على طرف الكنبة، ولا كأني باصة لبرغوث. فكرت في كل ليلة كنت ساهرة بستناه، في كل دمعة نزلت وأنا مدارية كسرتي قدام أهلي وأصحابي، في كل مرة كذبت فيها على نفسي عشان أقول “بكرة يصلح حاله”. استغنيت.. وقلبي اتحجر خلاص.
“أيامنا الحلوة؟!” قلتها بصوت هادي وبارد كالثلج. “أيامنا الحلوة دي رامي ماتت من زمان، وانت اللي قتلتها بإيدك وإيد صاحبة عمري اللي واقفة قدامك دي. أستاذ عاصم.. خلص الأوراق، وخلي الهانم دي تلم هدومها اللي نسيتها جوه مع هدوم المحترم بتاعها، ويطلعوا برا بيتي قبل ما أنادي حرس البناية يرموهم في الشارع.”
ليلى كانت واقفة في جنب الصالة بتبكي بصوت عالي، بعد ما عرفت إن اللعبة انتهت وكل الكروت اتحرقت. بصت لرامي بنظرة كلها كره وقالت بصوت مكسور: “كل ده عشانك.. انت اللي ضيعتني وضيعت نفسك!”
“اخرسي أنتي كمان يا زفتة، اتكلي على الله وامشي من قدامي!” صرخ فيها رامي بغضب أعمى وهو بيقف على حيله وبيلم هدومه المكرمشة بغيظ.
أستاذ عاصم طلع الورق والقلم، وحطه قدام رامي على الترابيزة وقال بلهجة قاطعة: “امضي هنا، وهنا، وهنا.. وخلصنا، عشان إيمان هانم وراها يوم طويل، ومش فاضية لمهزلة أكتر من كدة.”
رامي مسك القلم وإيديه بتترعش زي المرضى، وبصلي للمرة الأخيرة نظرة ندم مأساوية.. بس الندم ما بيعمرش بيوت اهدت. مضى على الورق، ورمى القلم في الأرض، وخد شنطته وجري برا الشقة، ووراه ليلى وهي منهارة وبتجرجر رجلها، والباب اتقفل وراهم بقوة.
الصالة سكنت تماماً، ومبقاش فيها غير صوت نفس الحاجة دلال وهي بتطبطب على كتفي وبتقول بدموع: “حقك عليا يا بنتي.. عوضك عند ربنا كبير.”
بصيت للساعة.. كانت 6:50. فتحت باب المطبخ، وبصيت على القهوة اللي بردت من ساعات، بس حسيت لأول مرة من سنين إن الهوا اللي داخل في صدري نضيف، وخالي من أي كدب أو غش.. واني أخيراً بقيت حرة.
الصوت اللي عمله الباب وهو بيتقفل ورا رامي وليلى كان أشبه بصفحة بتتطوى في كتاب قديم، كتاب مليان طرتيش طين، ودموع باردة، وساعات طويلة من الاستنزاف الصامت.
الصالة رجعت تهدى تدريجياً، وبقى صوت نفسنا المنتظم هو الوحيد اللي مالل المكان. الحاجة دلال قعدت على الكنبة بتنهد بتعب، وشها بيكسو حزن عميق جاب سنين عمرها قدام عيونها، لكن في نفس الوقت كانت نظرتها ليا مليانة فخر واحترام مستخبى ورا الكسرة.




