جوزي رجع البيت ٢

“حقك رجعلك في دقيقة يا إيمان.. بس الوجع اللي جوه القلب مين يمحيه يا بنتي؟” قالتها الحاجة دلال بصوت متحشرج وهي بتمد إيدها تطبطب على كفي اللي كان لسه بارد.
بصيت لها بابتسامة هادية، ابتسامة أول مرة تحس إنها حقيقية مش مرسومة عشان تداري عيب أو تكتم غيظ: “الوجع بيموت مع الوقت يا ماما.. بس اللي بيموت بجد هو الأمان الكداب. أنا طول عمري كنت خايفة من الفضيحة ومن خراب البيت، واكتشفت النهاردة إن البيت ده كان خربان من جوه أصلاً، وأنا الوحيدة اللي كنت قاعدة حارسة على حطامه.”
أستاذ عاصم المحامي لم أوراقه بسرعة، وحطها في شنطته الجلد السوداء، ووقف وهو بيعدل جاكيت بديلته المرموقة، وقال بجدية واحترام: “الملفات دي كلها بقت في الأمان يا إيمان هانم. التنازلات وتنازل الشقة والعربية والعقود كلها بقت مسجلة وموثقة قانونياً، ورامي ما بقاش ليه عندنا ولا حتى أثر خطوة. لو فكر بس يرجع يقترب من محيط الشقة دي، البلاغ الجاهز محطوط على مكتب رئيس المباحث بكلمة واحدة مني.”
هزيت راسي ليه بشكر: “متشكرة جداً يا أستاذ عاصم.. تعبتك معايا من الفجر.”
“تعمير بيوت.. قصدي هدم الباطل مش تعب يا بنتي،” قالها وهو بيودعنا على باب الشقة اللي فتحتهاله عشان يمشي، واتقفل الباب وراه.
بقيت أنا والحاجة دلال لوحدنا في الشقة الواسعة. بصيت للساعة اللي فوق الحائط.. كانت 7:05 الصبح. النهار كان لسه بيبتدي يفتح نوره الهادي على شوارع التجمع الهادئة، والشمس بتسلل أشعتها البسيطة من خلال إزاز الشرفات.
“تشربي معايا القهوة بتاعتي اللي بردت من تلات ساعات يا ماما؟” قلتها وأنا بضحك ضحكة خفيفة صافية من جوه قلبي.
الحاجة دلال بصتلي وابتسمت ابتسامة دافئة، ووقفت وفتحت دراعاتها ليا وقالت: “تعالي يا ضلعي الثابت.. تعالي في حضني.”
رميت نفسي في حضنها، وفي اللحظة دي، دمعة واحدة نزلت من عيني.. مش دمعة ضعف ولا ندم، دي كانت دمعة الطهارة والتطهير، دمعة نزلت تغسل كل التراب اللي تراكم على روحي طول سنين الجواز المريرة دي. حضنتني بقوة كأنها بتعوضني عن كل جفا شفته من ابنها.
بعد دقايق، قامت الحاجة دلال عشان تمشي لارتباطها بمشوار مهم، ووصلتها لحد الباب، وقبل ما تنزل، مسكت إيدي وقالت: “لو احتجتي أي حاجة في الدنيا.. أنا مش عمته وبس، أنا أمك التانية يا إيمان، واعتبري رامي ده صفحة واتحرقت من حياتك.”


