جوزي رجع البيت ٢

قفلت باب الشقة وراها، وبقيت وحدي للمرة الأولى في بيتي.. بيتي أنا وبس، مش بيت رامي ولا بيت الكدب والخيانة.
مشيت ببطء نحو المطبخ، وبصيت على الترابيزة اللي كان لسه عليها آثار الملفات والأوراق. فتحت درج المطبخ، وطلعت مفتاح الشقة الجديد.. مفتاح واحد بس، بتاعي أنا، ما حدش تاني معاه نسخه منه.
رميت الروب القديم اللي كنت لبساه من امبارح في سلة المهملات بلا رجعة، ودخلت الحمام أخدت دش دافئ طويل، غسلت فيه ريحة الليلة السودا، وطلعت وأنا لابسة بيجامة قطنية مريحة باللون الأبيض الصافي.
وقفت قدام ترابيزة المطبخ، ولعت البوتاجاز وحطيت الكنكة الصغيرة، وسترت ريحة البن الهيل وهي تملى المطبخ، ريحة قهوة نضيفة مش محروقة ولا باردة.
مسكت فنجان القهوة بتاعي، وخرجت بيه على البلكونة الكبيرة اللي بتطل على الشارع الهادي، قعدت على الكرسي وأنا بشرب أول رشح من القهوة، وسمعت صوت العصافير وهي بتزقزق إيذان ببدء يوم جديد تماماً.
طلعت تليفوني من جيبي، وعملت بلوك نهائي لرقم رامي ولرقم ليلى، ومسحت كل أثر لهم من حياتي الرقمية زي ما مسحتهم من حياتي الواقعية.
بصيت للسماء الصافية وابتسمت لنفسي وأنا بقول بصوت هامس:
“صباح الخير يا أنا.. صباح النور على الحياة الجديدة الحقيقية.”
الساعة بقت 7:30 الصبح، والشمس بقت مالية الشقة كلها بنور دافئ كأنه بيطرد أي عتمة قديمة كانت باقية في الزوايا. قعدت على الكنبة في الصالون، وفنجان القهوة في إيدي لسه دافي، بحس بطعم الههدوء والسكينة اللي حرمت نفسي منهم سنين طويلة.
التليفون اللي كان مرمي على الترابيزة جنب الفنجان نور فجأة.. رسايل وراء بعض بتدق بصوت مزعج. فتحت الشاشة لقيت رامي باعت رسايل صوتية ونصية كتيرة، كلها استعطاف وندم وتوسل: “أرجوكِ يا إيمان ردي عليا.. أنا ضعت.. ليلى سابتني في الشارع ومش عارف أروح فين.. اعتبريها عشيرة سنين!”
بكل برود وثبات، فتحت إعدادات الواتساب، ودرت على علامة “حذف المحادثة بالكامل”، وعملت “إبلاغ وحظر نهائي”. مبقاش فيه أي مساحة لأي كلام فارغ، ولا حتى فرصة لتبرير عبيط. حياته وحياته مع ليلى بقت في ذمة الماضي اللي انتهى من غير رجعة.
في اللحظة دي، جرس الباب رن رنة خفيفة ومترددة.
رفعت حاجبي باستغراب.. مين تاني جاي على الصبح بدري؟ الساعة لسه مكملتش نص السابعة والنصف. قمت بهدوء، ومشيت خطواتي لحد باب الشقة، وبصيت في العين السحرية.





